الرسولة
Jan 27, 2023 09:17 PM Jan 27, 2023 09:17 PM
ينتظرونكِ في مفترقات الطرق، على نور الفوانيس والشموع، وأحيانا . . عندما يشتدُّ الظلامُ، عندما يستولي الخوفُ على نوافذ أحلامهم، يمشون إليكِ على ضوء خواطرهم . قديما جدا خلعوا عليكِ ملامح الرسولة : أنصتوا إلى صوتكِ في المطر، ركعوا لجمالكِ في البرق، قالوا: هي التي بإمكانها أن تغلق البابَ على الموت، وأن تعيد العاصفة إلى وكرها، فانتخبوا لكِ الأسماء والصفات ، وقدموا لكِ الأضحية والنذور في كلّ موسم : هياكلهم العظمية على المصاطب، في محطات القطار، في الأنفاق، بین الفراغات التي تتركها الطيورُ المسافرة في السماء، وأرواحهم تلوّح إلى طيفكِ البعيد، إذ يخترعون لكِ أخبارا، يتناقلونها في المزارات وفي المعابد، في الشِعر والأغنية، في الحانات ، في المدن وفي الفنادق . . ينتظرونكِ، ينتظرون أن تفاوضي القدَر، أن تنجزي ما لم ينجزه الأنبياء ، الشعراء والفلاسفة : لماذا نمشي حاملين الموت على ظهورنا؟! وإلى أين؟! لماذا الغبار، كلُّ غبار العالم، على النوافذ؟! لماذا هذه اللامبالاة من الملاك، وماذا ذهب ليعمل الشيطانُ؟ لمَن تركَ وظيفته ؟! ربما راودهم الشعورُ بأنكِ محضُ اسطورة: كائنٌ من كلمات، غير أن الوهمَ بأنكِ امرأة حقيقية : صبيةُ الأحلام والشِعر وبطلة الروايات، وشاشات السينما، يجعلُ منكِ أملا من أجمل ما يكون، وهو ممّا يجعلهم يقرؤون كتبا غير مكتوبة، يعاقرون عاداتٍ مريبةٍ : يستضيفون الأشباح، يعانقون المحن، ويطيرون في الهواء . . ربما توقعوا أنك قد سُجنتِ . ربما وقعتِ في شرك ،ساحر، بنظرة منه تحوّلتِ إلى جماد . ربما أغتصبتِ في نينوى، أو صُلبتِ في أور، أو دُفنتِ حيّة تحت التراب . ربما نجوتِ من مجزرة، فوقعتِ في مجزرة اخرى، فالتاريخ نساءٌ ومجازرُ . ربما سلبكِ قطاع الطرق كلّ شيء، فمشيتِ مجردة نحو المطلق. ربما . . لا يهم ! لكنهم يأملون أن تقدّري معنى أن تكوني في قلب التوقعات، بطلة التكهنات وقراءة الطالع و النجوم . . ولذلك يتخيّلونك متأهبة لأداء المهمة، فليس إلا أنتِ، وسيّان إن كنتِ حقيقية أو امرأة من كلمات، مادمتِ قادرة على تجسيد أحلامهم :أن تباغتي ،الآلهة أن تُلفتي الأنظار إلى محنة الجوهر : لماذا يتفلتُ البلورُ ، مَن يقف وراء احتضار الشكل، وكيف يفكرُ اللمعانُ في عقل اللؤلؤة؟ لا.. ليس ضروريا أن تحصلي على جواب، أو أن تبرمي اتفاقا يعفينا من ضريبة العيش تحت سقف الاضطراب، فأنتِ تعرفين أن هذا الانتظار هو محضُ هراء، كما أن رحلتكِ الخرافية هذه، رحلتكِ التي ابتكرتُها، وأنا حزينٌ وخائبُ، وأنا سكرانُ ومفلسٌ، هي من أجل أن تُقلقي القدَر في عزلته الباردة، أن تهدّدَي بقبضتكِ أن تصرخي عاليا، أن تفاوضي، أن تناقشي، أن تجادلي اللا أحد الذي هناك، وأن تجري دموعُ البشر الحارة من عيونكِ، حتى آخر دمعة .


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
21 المشاهدات
0 تعليقات