عندما سقط العابد والمعبود
Jan 28, 2023 10:32 PM Jan 28, 2023 10:32 PM
صبيةٌ خلقتني : أنا الواقفُ الآن على حافة هاويتي، بانتظارها. جمعتني من طين الضفاف : من طمث الفرات، ومن غرين دجلة، ثم أشعلت من حولي نارا، وفخرتني، حتى صرت شيئا لا اعرفه . صرتُ شيئا يعرفني، قبل أن أعرفَ. وضعت رأسها على صدري، فنبض شيء في داخله، وأشرق وجهي، ثم نفخت في داخلي من عطر خيالها، قائلة: «كن ما اريدكَ»، فكنتُ، ولم أعد طينا، رغمَ أنني، في نفس الوقت، كنتُ طينا، لكن صلواتها كشفت لي كيف تهبُّ الأعاصير من الجسد، كيف يتحوّل الكونُ إلى ريشة، وكيف تحصل انقلاباتُ الروح، في هذا العالم: . . وصبية أخذتني : قادتني إلى المعبد، تعرّت لي، وعانقتني. صبية قالت : أعبدكَ، وعبدتني، فصرتُ إلها : صرتُ إلها يعرفُ أنه لا يملك أن يكون إلا إلها لأن صبية قالت له : «أحيا، لإيماني بكَ»، لكنني كنتُ أتهشم من الداخل . كنتُ أتفتتُ مثل إله من طين يعيشُ في جنة من النساء والبخور والفواكه : عند أقدامي تتضرعُ الامهاتُ، ويبكي أقسى الفرسان على أكتافي، وأنا من أجلها، من أجل حضورها، من تضرّعاتها، آمنتُ بي، فصرتُ العبُ دوري المعقد في مسرح خيالها :العبُ نفس لعبتها، وأشتعل من غليان شهوتها . صرتُ احبها . احبها صرتُ لأنني لم أكُ شيئا ، لولا أنها قالت: احبكَ، فكنتُ. قالت : احبكَ، ثم قالت احبكَ . . يا إلهي، وركعت لي عارية، أمام الناس، فتحرّك بي نبضٌ غامض : تكهربتُ من فوري، وسجدتُ . لي قلبٌ بلاشك، وإلا لماذا شعرتُ بالذعر عندما سقطت أور، فجأة، ودخل الغزاة إلى المعبد، حاملين معهم آلهتهم؟ احبها بلا شك، وإلا لماذا بقيتُ لابثا في مكاني، بعد أن فرَّ زملائي، من المعبد، واحدا بعد الآخر؟ سأنتظرها : لابد أن تجيء. أعرفُ ذلك، كما أعرفها وكما أعرفني، آهـ... لقد سقط العابد والمعبود فيما بيننا . لن أخرج . أعرفُ أنَّ ثمة أديانا أخرى، في الطريق ستأتي، لكنني سألبت واقفا في مكاني بانتظارها، هي التي کشفت لي خفقات قلبها سرّ التحولات في طين العالم : ذات يوم سيصل أحدهم، أتوقعُ ذلك، وسيحطمني بفأسه، لكن روحي، أبدا، سترفرفُ حول حطامي، الذي لن يخون تلك اللمسة الشاعرية، ليديها . .


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
18 المشاهدات
0 تعليقات