• رأيتك في البلدة التي لا اسم لها

    رأيتُكِ في البلدة التي لا اسم لها، وليس لها في الخرائط من مكان . كنتُ يقظا حين رأيتكِ، لكن دخانا من نعاس مروركِ أحاطني، ثم جاء النومُ بثوبه الأبيض، فنمتُ ورأيتكِ أيضا. هكذا واصلتِ الخفاء والتجلي، وهكذا لبثتُ أبحثُ عن خيط ما قد يقودني إلى حلّ اللغز : لغز حنيني إلى ما هو غامض في الحنين الذي يشوبُ قسمات وجهكِ : لغز شغفي في أن أتيه في مجاهل مروركِ الخاطف أين ما ولّيتُ وجهي، لأن وجهكِ يشرقُ، دائما، من جهة غير متوقعة : يطوفُ بي في أماكن غريبة، في مدائن لم تخلق، وفي أزقةٍ تتلوى حياتي في منعطفاتها، فلا أخرج منها إلا وقد أضحيتُ غريبا : لا أعرفني، رغم أن أبطال الروايات، العشاق المرسومين على أقمشة اللوحات، وقتلى الحب على شاشات السينما، يعرفونني تماما . . أحيانا ، تحت المطر، وفي البرد ، أعثرُ على يديكِ في جيوب معطفي. يحدثُ، أحيانا، أن أجد وردة قرب وسادتي، فأتذكرُ أنكِ رميتِ بها نحوي، وأنا في المنام، كأنكِ اخترقتِ الزمن، عبرتِ العصور، وكسرتِ حاجز النواميس، من أجل أن تحرثي أرض قلقي : من أجل أن ترسمي بصمتكِ الخاصة على جدران وجودي، أو من أجل أن أتجاوزني لأصل إلى النقطة التي يصبحُ فيها اللاشيء كنزا لا يفنى. هل أنتِ المرأة التي أحبُ؟ المرأة المستحيلة : ساحرتي المتخيلة، طفلتي، ومأزقي الذي أجدني من خلاله شاعرا كلما أعطت شجرةُ اليأس ثمارَ القنوط، وعاكستني الظروفُ؟ هل أنتِ بهجتي التي ،رغما عن الطوفان، تؤدي رقصتها على يابسة لم تصل إليها الحمامة بعد؟! آه، في البلدة التي لا اسم لها رأيتكِ، ورأيتُك رغم أنني لم أكن هناك : تبعتكِ رغم أنكِ مثل طيف يمرُّ من خلالي، وأتشعبُ من خلاله : أصيرُ شعوبا تسيرُ خلفكِ، وأنتِ إلى اللامكان تذهبين، فتنقلين معكِ الأمكنة، الطرق البشر، ومن الرحيق الذي ينشره مروركِ تولد قصائد عاثرة الحظ مثل قصائدي : تولدُ مصاطب لعشاق ينتظرون شيئا لا يفهمونه، وتنبجسُ، من بين أقدامهم الضائعة في الغبار ينابيعُ من الدهشة سرعان ما تزول بزوال رحيقكِ . .

    الكاتب: عبدالعظيم فنجان

    0المفضلة

    199 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالعظيم فنجان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • رأيتك في البلدة التي لا اسم لها