أغنية الفراشة
Jan 29, 2023 07:38 PM Jan 29, 2023 07:38 PM
كانوا يذهبون إلى المعبد، وكنتُ أذهبُ نحوكِ، حيثُ الكهف الذي يسرجُ فيه وجهُكِ القنديلَ المخبوء في أعماقنا، فنرى كلَّ شيء، حتى الظلام، صافيا . كان ذلك قبل أن نكتشفَ الحبَ في اغنية بدائية، تكتبها إيماءاتُ أعضائنا على الريح، ونتركها تسافرُ ، دون أن نفكرَ باللحاق بها، لأنهم كانوا يذهبون إلى الحربِ، وكنتُ أفرُّ منها نحو سنابل ،شعركِ، ملقيا إلى الوديان بقوسي وسهامي، كاشطا عن حنجرتي الصرخة البربرية. هكذا كنتُ أعتقدُ. غير أن ذلك كان مجرد وهم، إذ تجلت تلك الصرخة واضحة، ذات يوم، حين شعَّ في الكهف نتوءُ صخرة، فتساءلتِ بعذوبةٍ، وقد فاض نسيمُ روحكِ في الهواء، حتى طارت في رحابته الوردةُ، التي كنتُ أقطفها يوميا في الطريق اليكِ : ـ ماذا يشبه هذا؟! صرختُ فورا : - إنه نسر . . ورحتُ أدعمُ نظريتي بضرباتٍ قويةٍ على جناحيه، لكنكِ تدخلتِ في اللحظة الحاسمة : - دعها تمرح، إنها فراشة! فخاصمتكِ . دستُ بقسوةٍ على الوردة، وخرجتُ غاضبا من الكهفِ، جامعا، في طريق العودة، أقواسي وسهامي التي رميتها من قبل. قرون كثيرة مرت مذ فارقتكِ ، صار العالمُ خلالها أكبرَ من الكهفِ، وأبعدَ من المعبد : حضاراتٌ تنشأ واخرى تموت. اممٌ تتمزقُ، وشعوبٌ تطحنُ نفسها : يذهبون إلى الحربِ وأذهبُ ، متنقلا من خندقٍ إلى خندقٍ، ومن كهفٍ إلى آخر، إلى أن وصلتُ هذه الاغنيةُ إلى نهايتها، عندما ألجأني البردُ، صدفة، إلى كهفنا الأول القديم في الجليد، حيث رأيتُ الصخرةَ في مكانها، فركعتُ أمامها بخشوعٍ لم يعرفه أي معبد، حتى سال التاريخُ من الجروح التي زرعتها على بَشَرة الأرض، وبكيتُ بمرارة، محاولا أن أستعيد آدميتي التي أضعتُها بين الأوسمة والمجازر، فقد كان النتوء على تلك الصخرة : النتوءُ الذي كان شاهد هيامي وغرامي، يشبه الفراشة، التي تشبهكِ . . تماما .


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
27 المشاهدات
0 تعليقات