اينانا ، لماذا تعبثين بحياتي؟
Jan 29, 2023 08:18 PM Jan 29, 2023 08:18 PM
كنتُ أسكرُ كثيرا في تلك الأيام، وكان يربكني، في كل صباح، أن لا أجد النافذة في مكانها : النافذة التي أنظرُ من خلالها، إلى اينانا، معبودتي، التي هي كل الوردة، لو فكر العالمُ أن يصيرَ عطرا . آه .. هي كلُّ العالم لو فكر العالم أن يعود طفلا، وهي الرعشةُ، كلُ الرعشة، لو فكّر العالمُ أن يصيرَ جسدا . ربما كان النورُ الذي تتركه وراءها قويا فيحجبُ عني النافذة: تلك النافذة التي تثبُ منها إلى غرفتي فأقودُها ، في لجّة السُكر، إلى مدنٍ طالما حلمتُ أن أكتبها في قصائد هاذية ، كتبها مجهولون على الصفحة البيضاء من سُخام حياتي . كان يُؤلمني أن أتشمم مسام الحائط طوال النهار، بحثا عن أثر ما يأخذني إلى حل اللغز : إلى أين تذهبُ اينانا، بعد أن تتسلل في الفجر، عارية، من النافذة؟ ولماذا تظهرُ النافذة على الحائط، في الليل، وتختفي في الصباح؟ اينانا، لماذا تعبثين بحياتي؟! كنتُ أصرخُ في الغرفة وحيدا، لكن عبثا، حتى قررتُ أن أتوقفَ عن السُكر، لأنقبَ عنها بين الأغطية، حيث يتدثرُ المنفى من شدة البرد في، المرآة وهي تشطفُ رؤوس المارين في أعماقها، تحت حنفية الماء، في المكتبة، وهي تخيطُ بدلة الكتب، في.. ولم يكن ما فعلتُ مجديا، فليس ثمة أثر للنافذة، ولا لإينانا التي، كانت طوال الليل، تجمعُ دموعي براحتيها، لتغسلَ بصيصَ الضوء المتسلل إلى عزلتي من الأفق، أو تفرك برائحتها جسدي، فتكشط تقاويمَ السنوات، التي حفر عبرها الألمُ نفقه اللانهائي، داخل روحي، حتى وصلتُ، إلى هذه الغرفة المقتطعة من حقول الخيال . كنتُ مُربِكاً من نتائج البحث، وأشعرُ باضطراب من صحة كوني موجودا، لأن العالم كله ، العالم برمته فصل حياتي ، حسب حجم كل قتيل في الحروب السومرية، كما شجرة انفجرت في قلبها عاصفة ريح، فلم يعد ممكنا جمع أوراقها المتطايرة، التي تحوّلت إلى كمائن و أفخاخ عصافير في الغابات . أين النافذة؟ كنتُ قد عدتُ إلى السُكر من شدة الصراخ، فتجلّت لي، بغتة: وجدتُها لابثة في مكانها، قبل أن أوجد أو توجد الغرفة، ثم رأيتُ إينانا التي لم يمسسها أحد قط إلاي: رأيتها لامعة كطعنة في خاصرة اليأس، لكن لم يكن ممكنا الاستمرار بالصراخ كي تبقى متجلية بكامل جمالها، لأكثر من ليلة واحدة، لأنهم حملوني إلى الخارج في الفجر: تركوني في العراء وثمة ورقة في يدي : ورقة حدّقتُ فيها بذهول، سنوات طويلة، حتى أنني، على ضوء ما جاء فيها، فسّرتُ الغموضَ الذي يكتنفُ فكرة الشيطان والملاك، فقد رأيتُ حجم القسوة في قلب هذا العالم متجليا في عقد الإيجار، الذي يذكرُ أن الغرفة التي استأجرتُها في تلك الأيام، كانت بلا نافذة، أصلا.


الكاتب: عبدالعظيم فنجان
0المفضلة
65 المشاهدات
0 تعليقات