• عازف الناي

    كنتُ أضعُ تردّدي في خدمة الخوف الذي يكتسحُ المعبد، كمياه الطوفان، كلما وصل الغزاة وأحرقوا البلدة، رغم أنني لم أبرح مكاني مرة، ممسكا بمصيري، كعازف ناي وقع في غرامكِ : أنتِ، إينانا، يا مَن كنتِ سيدة العالم . كنتُ أرى إليكِ من خلال فكرتي عنكِ، وأنتظرُ تلكَ اللحظة، تلك اللحظة الخارقة التي تدوم كعمر عندما تخلعين ثيابكِ الغرينية، وتنكشفين عارية، تحت ضوء القمر ترسلين نظراتكِ إلى الناي فيتحول، بين يديّ، إلى وردة تتفتح، بين يديكِ، فتصير شجرة تأخذيني إليها، وفي الطريق تكشطين الطين عن رغبتي لندخل الشجرة عاريين، فتنمو على الأغصان براعم وأثمار، هي مجازات واستعارات تنوب عن امتزاجنا، عن عراك الجمر في موقدينا، وعن قبلاتنا. كنتُ مُجبرا، في تلك الأيام، على أن أبدو متجهما وحزينا بوجه الجميع، ولم يكن ذلك يناسب لحظتي معكِ : كان ذلك لا يشبه ما في داخلي من موسيقى، ولا ما في حنجرتي من ترانيم، كان ذلك يحفرُ نفقا طويلا من الحزن أقطعه ، جيئة وذهابا ، بفواصل كثيفة لا يفهمها أحد، ولا يشاركني قداسها إلا الناي . كنتُ أود ، كنتُ أود لو أنني .. وها أني، بعد قرون من النفي، ببدلتي الغرينية ذاتها : بدلتي التي تراكمت عليها نظرات الفضوليين، أمسكُ بنفس الناي في متحف مزدحم، بعيدا عن الضفاف التي خُلقتُ منها. ، آه، يبدو لي، الآن ، أن السومري الذي صاغ تمثالي، ورسم قسمات وجهي بأطراف قصبة بسيطة، كان بحدس انقلابات الروح في هذا العالم، ويعرف جيدا ،كفنان، ما سيفعله الحب، حسب التوقيت السومري، بعاشقٍ من طين، مثلي . .

    الكاتب: عبدالعظيم فنجان

    0المفضلة

    50 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالعظيم فنجان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • عازف الناي