• أنا الذي قامرتُ بحياتي

    »تتمة لقصيدة، لم يكتبها سركون بولص بعد« «ليس للفنان الذي يضع حياته على المحك من شقيق . . » صاموئیل بیکت كانت درجة حرارة اليأسِ قد تجاوزت الغليان، في ضواحي أحلامي، فتبخّرت جميعها، كشَعبٍ من الغبار والنسيان، وأنا سكرانٌ ومفلس : رأسي بين أقدامي ادحرجه أمامي مثل كرة معطوبة . مشيتُ طويلا في الشوارع، الى أن قررتُ الاستراحة، فاتخذتُ منه مقعدا، وجلستُ فوقه، في حانة سيدوري، حيث يجلس الحشاشون، والسائرون في نومهم على جرعات، فوق مصائرهم . كنتُ اريدُ أن أعرف ماذا يغنّي المفتاحُ أمام حزمة أبواب، لأنكِ صرخة في طريقي لابدَّ أن أثبَ خارجها دون أن أوقظ أحدا، فأنتِ أخفّ من أن تكوني قفلا، وأنا أبعد من أن أكون بُعدا . كنتُ بحاجة إلى روحي الطليقة، التي تسطعُ فيها شمسُ الشكّ، ويرفرفُ داخلها القلقُ، لأنكِ ماكنتِ لتعرفي معنى أن تكوني ملاذا، وأنَّ سكراناً ومفلسا يصحو وينامُ متخيلا أنكِ امرأة . كنتُ أحتاجُ الجنون كي افكرُ بطريقة أفضل، لأنكِ تجذبين الجرحى إلى ينابيعكِ، وتبنين من شقوق شفاههم مشاحيفَ من العطش . كنتُ بحاجة إلى امرأة اجترحُها من بطون الأساطير، فأنتِ أوحش من أن تكوني صحراء، وأعمق من أن تصيري طعنة، فكل من أحبكِ تحوّلَ الى حصاة، وكل حصاة تنتظرُ أن ترميها على مُحبّكِ التالي . كنتُ بحاجة إلى مَن يُزيح عني ثقلَ العالم، الذي اكتشفتُ أنه يشاركني الجلوسَ فوق رأسي في الحانة، فيما سيدوري تعرض عليّ مفاتنها : «لكَ وحدكَ، هذا السرير الناصع من اللحم، هذا الرخام المغسول برذاذ النشوة، هذه التلال من بَرادة الشبق، لكَ وحدكَ ..» ... تخبرني أنني الوحيد السهمُ المسموم الذي اخترق حُجب قلبها. تغويني بفكّ النحس، وبالنوم على وسادة من مفاتح الممالك. تساومني كعاهرة ضاجعت عصورا من الرجال، ولم تبلغ كفايتها قط، لكنها الآن، بفراستها، تبدو واثقة أنَّ في شراييني، أنا السكران والمفلس، تسبحُ النطفةُ المختارة، التي تجسم لجسدها المبحر في النار خارطة الذروة . كانت الطرقُ متشعبة، كحلقات من الدخان، تتحركُ في كل اتجاه، حسب مسقط رأس الألم، وحسب أمطار الخذلان التي تذرفها غيمةُ الخسارة، كذاكرة جلجامش مخمور لطخ اسوار بلاده بدم العبيد، وبالدموع، ثم اكتشف الخدعة، فعاد محمولا على أكتاف قتلاه، بعد قرون من الحانات، باحثا عن .. ـ «سيدوري، أين قامرتُ بحياتي، من أجل عشبة الخلود؟ في أية حانة؟ لماذا لم أربحها، أو أخسرها؟ لقد أتلفتُ موارد اوروك على المرتزقة من الشعراء، الذين تجندينهم، ولم أقبض شيئا . . » . يصرخ بوجه سيدوري، وهو يخضها مثل شجرة تعرفُ، وحدها، كيف كان يفكرُ ابليس عندما أغرى الملاكين بأكل التفاحة : ـ « لقد أخذتُ بنصيحتكِ، وأنتدبتُ مليون ناقدٍ للكتابة عن ملحمتي، أيتها العاهرة، لكن . . . » فنهضتُ . كنتُ في قطار يهدرُ بكآبة، بعد أن نفدت فيه البيرة، وجفَّ السُكرُ في عروق سكته الحديدية، مما اضطرني إلى مغادرته قفزا من نافذة الخيال، مجردا من أوراقي، حقائبي، وعكازي: زاحفا على ركبتيَّ، عثرة بعد عثرة، حتى وصلتُ المجهولَ، ولامسَ حدسي الغامضَ منه، حيث وجدتُ آتونابشتم يُشعلُ أعشابا، ويستنشقُ دخانها منتشيا: يراقص الافعى، و يغنّي اغنية «عندما كنتُ سكراناً ومفلسا» فشاركته الغناء، بعد أن استعدتُ مزاجي الذي جاءني محلقا بريش النثر ، فيما أنا أهبطُ بهدوء، نبضة بعد نبضة، نحو القعر الاعمق من هذه الاغنية ، ممسكا بحبل مصيري، الذي نسجته من عثرات الطريق، تاركا العالم، في الخارج، يمشي مترنحا على الأرصفة الموحلة، وهو يدحرج كرة ما بين قدميه، ربما هي رأسي، رأسك، رأسه، أو رأسكَ : أيها المجد الذي تقرّحت على جِلدكَ الروحُ، أيها الأجرب، يا عدوي البائس، أيتها المصيدة.

    الكاتب: عبدالعظيم فنجان

    0المفضلة

    198 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالعظيم فنجان

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أنا الذي قامرتُ بحياتي