مُكافأة نهاية الخدمة الحزء(٥)
Feb 4, 2023 03:08 PM Feb 4, 2023 03:08 PM
قصة قصيرة (مُكافأة نهاية الخدمة) الجزء (٥) الكاتبة/أحلام أحمد بكري مدينة /جازان ………. انتقلت للفصل الآخر بعد فراغي من الفصل الأول ، قرعتُ الباب ودخلتُ مُلقية عليهم السلام ، كان الوضع هادئاً على غير العادة و فارغ من مجموعة من الطلبة.. لكن لفت انتباهي وجود حقائب على الكراسي وأدوات على الطاولات ، سألت بعدها مباشرة الطلبة بفضول كبير قائلة : لا يوجد اليوم غياب داخل الفصل ، إذاً أين البقيّة..؟! أجاب على سؤالي نواف قائلاً : أخذتهم المعلمة معها.. وأردف إبراهيم قائلاً : لقد تعاركوا فيما بينهم وأخذتهم معلمة العلوم للمرشدة لتُعاقبهم.. قلتُ : من منهم..؟! رد فؤاد ساخراً وملوحاً بيدهِ بعد أن رفعها وفتحها ثم توجه بها لي : كل عبدالرحمن ، داخل الفصل.. . تداركت وقتها إن هذا الفصل به خمسة طلابٍ تحت اسم عبدالرحمن ، وهذا ما جعل التفريق بينهم معقداً كثيراً.. وما أن أكملتُ حديث نفسي حتى فُتح الباب من قبل إحدى إداريات المدرسة وفي حوزتها - كل عبدالرحمن- كما قال فؤاد .. . كانت الإدارية حريصة على كل الطلبة المُشاركين في المعركة الدخول للفصل بكل أدبٍ وهدوء .. ولفت نظري ندائها بألقابهم الأخيرة ، قائلة لي (بعد أن أطلقت تنهيدة حرى من صدرها أخرجت معها كل ما كُبت به من أفعال هؤلاء الصبيّة المشاكسون) : المعذرة يا أستاذة يجب أن أُفرق بينهم بالألقاب فعبد الرحمن كُثر بهذا الفصل.. . لمعت في ذهني طريقتها بتمييز الأسماء ، كان حلاً رائعاً يخرجني من عقدة تكرار الاسم.. سألتها : ما الذي حل بهم ..؟ قالت : كالعادة هذا يستفز والآخر يضرب وذاك يفزعُ بالمشاركة والبقيّة يشجعون و كأننا في حلبة مصارعة لا حجرة فصلٍ.. . أغلقتْ الإدارية الباب ، وبقوة ألتفتُ لهم باحثةً عن مصارعين ( WWE ) القدامى -ستيف أوستن ، أندرتيكر ، هالك هوجن - فعهدي توقف عند مصارعة الثمانينات الميلادية.. . كان عبد الرحمن رقم (١) متأبط الشر ملتحف الغضب ، يجلس على كرسيه متأهباً لدخول معركة أخرى ، ملامحه تُشير إلى ذلك ، وهيئة ملابسه أكّدتْ ضنوني ، فقد كفكف كُميّ ثوبهُ وشمّر عن ذراعيه ، رافعاً طرف ثوبه السفليّ مثنياً على بطنه ، ومن التشريح المبدئي له تبين أن هناك جُرحٌ عميق بجبهته بجانب حاجبه الأيسر مُغطى بقطعةٍ من القطن ولصق جروح ، كما أتضح أن هناك زحفٌ قديم ممتد من مرفق يده اليمنى متجهاً لأسفل الكف قد شفي بعضه والبعض الآخر تعرض لاحتكاك آخر ؛ أغارت الدماء به.. . قُلت في نفسي هذا هو المصارع الأعظم ، توجهتُ له بالسؤال بشكل لطيف أتقي حنقهُ و امتص غضبه قائلة : هل تلعب خارج المنزل بالكرة كثيراً يا عبدالرحمن..؟ رد منفعلاً قائلاً : نعم يا أستاذه.. قلتُ : أين تسكن ..؟ قال لي : بالحي (….) . عند نطقه باسم الحي الذي يسكنه أدركتُ وقتها سبب هذه الشخصية العصبية الثائرة الغاضبة العنيفة ، فقد تربى منذُ الصغر في حيّ شعبي ، منازله لا تتعدى الغرفتين فقط ، لذا تلجأ الأمهات لاخراج أطفالهن من البيت الصغير طيلة النهار ؛ لينعم المنزل بوقت هدوء نهاراً ، وتتمكن من ترتيب المنزل الصغير وطهي وجبة الغذاء بدون فوضى .. ليعودوا الأطفال قرابة المساء متهالكين من اللعب لينتهي يومهم بعد تناول وجبتهم بالنوم ، بعد نهار حافل داخل الحيّ الشعبي.. . فكان عبدالرحمن رقم (١) نِتاج تربية الحي بكل عنفوانه ، فالبقاء للأقوى خارج البيت في ذلك الحيّ الشعبي ، الذي يولدون أطفالهُ شباباً كمصارعين ، العراك هو الفيصل بعد انتهاء كل لعبة ، فمنهم من يعود مفتوح الجبين بجرح غائر ، والآخر بعين متورمة فقد أخذ نصيبة من اللكمات الشيء الكثير ، والبعض مُمزّق الثياب ، وهناك من أختفت ملامحهُ و اتسخت بتراب الأرض.. . ثم تحول نظري للعنصر الثاني عبدالرحمن رقم (٢) ، وجدته يجهش مختنقاً ببكائهِ يحاول السيطرة على نفسه ، ذو هيئة أنيقة ، بجلسة خجولة ، بها الكثير من التوتر ، حقيبتهُ المرتبة وطاولتهُ النظيفة ، تدل على شخصيّة تربّت على النظام ، وبملاحظة وسؤال خاطف قلتُ له: عبدالرحمن لا تحبس دموعك ، أطلقها ، ما الذي أزعجك..؟! وضع رأسهُ بعدها على الطاولة وأجهش بالبكاء ، اقتربتُ منه ومسحتُ على رأسه قائلة له ، لا بأس يا عبدالرحمن ، مثلما يحدث الشجار بين الأخوة بالمنزل ، يحدث أيضاً هنا داخل الفصل ، فأنتم مثل الأخوة.. . استنتجتُ بعدها أن مثل هذه الشخصية تربت بعناية وحرص شديدين ، مما جعلها شخصية حساسة لا تحتمل الكلام الجارح والتصرفات العنيفة ، واستخلصتُ أنهُ الحلقة الأضعف وضحيّة هذا الشجار.. . تداركتُ نفسي سريعاً ونفضتُ مخيلتي المحلّقة ؛ حتى لا يطير الوقت بجناحيه ويطير معها درس اليوم ، شرعتُ مسرعة لأبدأ الحصة.. مكررة في عقلي : لبناء ثقتك بنفسك إقرأ روحك بعمق والواقع بحرفيّة والآخرين بتفرّس.. ………… يُتبع


الكاتب: الكاتبة أحلام أحمد بكري
0المفضلة
20 المشاهدات
0 تعليقات