من حديث العائدين
Feb 7, 2023 06:12 PM Feb 7, 2023 06:12 PM
بينَ السماء والأرض، بل في جوف الفَضا، طفا الجسد المُسجّى برداءٍ أبيض سابغ تدلّت أطرافه من الجوانب.. المشهدُ بدا هارباً من أفلام الخيال العلميّ، يُصوّر رائد فضاء لَفَظَته مركبته إلى الفراغ وتخلّى عنه زُملاؤه بعد مَوت، سوى أنّ الروّاد يلبسون الأبيض ولا يتغطّون به. هذا، بعد أن انتُزعت روحُهُ من جسده، ودخل في ذاك النفق المُظلم الذي يحكي عنه «العائدون» من تجارب سابقة، مع وميض يمرّ به كلَّ مسافة على ذكريات طبعَت في نفسه أختامَ الحَسرة والنّدم. وثمَّة، حيثُ استقرّ من «الفراغ»، سَكَن الجسدُ هامداً إلا من انسيابٍ على أمواجِ الوهم وفكرٍ يحاول تلمُّس أطراف الفراغ وموضعه منه، رغم ظلامه الشديد واتّساعه المديد. والعجيب أنّ أوّل شعور ابتَلاه في تجربته تلك هو الشعور بالضّيق، وهو أشدّ العذاب عنده، أثراً من رُهابٍ قديم جرّبه في الدُّنيا مراراً وهو يلعب مع إخوته لُعبة «الغُمّيضة» مُحاولاً إيجاد أبعد الأماكن عن حدسهم، خزانة ملابس أبويه الضيّقة. كان شعوراً كثيفاً بالوحدة والوحشة والغُربة والضيق، مع أنّه في فراغ.. وهل أوسع من فراغ؟! لكنّ ذاك الفراغ أمسى أضيق من لَحْد، بل أضيق من سَمّ الخِياط، بعد أن غادر النفق وانقضى الوميض وراح الأثر، وزحف إليه الظلام فجأة من كُلّ صوب، فأحاط به مُطبقاً عليه من كلّ جهة.. وأصعب ذلك في نفسه شعوره بأنّ هذا المآل أبديّ، لن يَحُول فيه ولن يتحوّل عنه، وأنّه سيُقيم في موضعه الضّنك هذا من الفراغ ما دامت الآخرة، وهو العَدَم ولا آخرة!! أين المَلَكان، ومتى أُسأل؟ ومتى البعث والنشور والحِساب؟.. أين الصراط؟ ومتى يوضع الميزان ويُفصل بين العباد؟ متى المحكمة، فأقتصّ ممّن ظَلَمني في الدُّنيا، ويقتصّ منّي مَن ظَلَمت؟! كنتُ أشتهي أن أخرج منها رأساً برأس، فأُسْوي؛ ليتداركني الله برحمته بعدها.. وها أنا ذا في حالي الأبديّة هذه أشعرُ بعذاب دونَه عذابُ جهنّم الذي لا أتصوّر أنّه سيكون أصعب على النفس.. وهنا تذكّر ذاك الذي أوصى بَنِيه أن يُحرقوا جُثمانه بعد الموت ويذرّوه في البحر، متوهّماً ذاك الحال عدماً مُنجياً من عذاب النار؛ فرثى لعقله ووهمه وضلاله، وخاطبه من وراء الأزمان والمسافات قائلاً بلسان الواثق: ولو كان عذابُها أصعب، فهو حتماً أرجَى من هذا السكون الرَّهيب والحَبس العجيب الذي سعيتَ إليه بظِلْفك. ياااه، ما أقساه من شعور وما أشدّه من خسار.. هو العبث ولا ريب! وهنا، رنّ مُنبّه الهاتف الذي كان يضعه عند رأسه، فانتفض من رقدته يتحسّس أطرافه ويحرّكها، آخذاً نَفَساً عميقاً من هواء الغُرفة البارد.. «اللهمّ لك الحمد على تعاقب الحَيَوات!».


الكاتب: فراس السوداني
0المفضلة
29 المشاهدات
0 تعليقات