أمٌّ
Aug 7, 2023 11:29 PM Aug 7, 2023 11:29 PM
ورجعت إلى بيتي، وفي طريق ما بيني وبينه رأيت صبية يبطش أحدهم بأخيه، والآخر بالآخر، ويتوسطهم تلك الأم بنت البضعة والعشرون، من لان عزمها وشحب وجهها جوعًا وهمًا، ولو انقضت الدنيا ما زاد ذلك فوق جزعها جزعًا مما هي فيه. ورأيت في عينيها الموت، ورمق حياةٍ هو انعكاس صورة اطفالها، فكأن بقاؤهم في الحياة تخفيفًا لسكرة الموت عليها. ثم انفضوا عن بعضهم، وهرع الجميع إلى حضنها، ولنقل أحضانها، فما رأيته لا يُطيقه صاحب بأسٍ شديد، فكيف بكسير جريح. وغشيتهم السكينة؛ ويالعجبي كيف يكون هذا ممن لا طاقة له، كيف انصبت منها لهم هذه الطمأنينة حتى ناموا كأفراخ طير وهي تتأملهم، فتبارك الذي جعل في قلب الأم هذه الرحمة من رحماته، وهذا السيل العظيم من لايضاهيه قوة، سواءً كان نبات أرضٍ يقتات منه صغارها، أو جارفًا لكل ما يعترض طريقهم. وسبحانه كيف جعل سُرُورهم سُرُورها، وأكبر سرورِها سرورهم، ولقد رأيت أحدهم فزع من نومه، ولكأني أراها قد سبقته فزعًا بعد ما كانت مطمئنة، وكأن الطمأنينة لا تلامس فؤادها إلا لتعلم أن بالوجود لذة غير الألم حتى لا تعتاد آلمها. خاطبها بعينيه أن هناك ما ينقُصه لولا أنه لا يعرفه، فطغت عليها الدموع وفاضت فيضًا، ولسان قلبها يقول انخلع من مكانك، واجبر حاجات طفلي لو كان لك أن تنخلع، وظهر الانكسار في وجهها، يعبر ببلاغة أنها قد أحست بحقيقة ضعفها، ثم جالت ببصرها في جو السماء تحس وتتمنى أنها في حالٍ غير حالها، ثم أرخت عينيها، واعتصرت ما بقي من دمعها، كأنما ترجو بنفاده نفاد حزنها. ونهضت كمعجزة أن ترى ميتًا يُبعث من موتته، تحمل في عزمها عناية فِراخها، فهي تعلم أن كل إنسان يجد كفايته من الروح، إلا في الأم…


الكاتب: أسامة فاضل
1المفضلة
82 المشاهدات
0 تعليقات