الدرس القاسي
May 17, 2023 02:22 PM May 17, 2023 02:22 PM
الدرس القاسي كنت في العقد الثاني من العمر، ترقص الأحلام والآمال حولي كالفراشات في الحقول وبين الأزهار. تيمتني لغة الضاد فانطلقت في ربوعها أقرأ شرح ابن عقيل ودواوين كبار الشعراء حبا وغراما؛ فعلا شأني بين رفقائي وأصبحوا يسألونني عما استغلق عليهم في دراسة النحو والشعر وأصبحت أشرح لهذا وذاك وصدقت أنني أصبحت لا أبارى في اللغة العربية. لم يلفت نظري تأخرهم عن مواعيد المذاكرة والدرس التي نتفق عليها فقد كان حبي للعطاء جامحا ورغبتي في الشرح تفوق نفوري من ضياع الوقت. كانت كتبي وأدواتي مباحة للجميع، بل أنا ووقتي وأفكاري وأحلامي كذلك وكان الوقت يمر مر السحاب لا تكاد تشعر به، وهذا شأنه. كذلك كنت أعاونهم في حل مسائل الجبر والهندسة والفيزياء وما لا أستطيعه، أبحث عن إجابته في المكتبة وعند الأساتذة الأفاضل وأعطيهم إياه جاهزا دون ضياع لحظة من وقتهم أو شعرة من جهدهم. كنت مستباحا لأبعد مدى ولا أدري، وكانوا محترفين رغم حداثة أسناننا جميعا. توسعت حين كان يجب علي أن أكون محددا واجتهدت حيث لا يجب أن أجتهد. كنت أعمل شيئا صحيحا ولكنه في وقت ومكان غير صحيح؛ وهو ما عرفته لاحقا، ولاحقا جدا. هي طرفة عين وأعلنت نتيجة الثانوية العامة ولم أحقق حلمي في دخول كلية الطب وحقق أغلب أصحابي أحلامهم التي كانوا يسعون إليها ومحددين في طلبها وطريقها. كنت أقود أسرع منهم وبإمكانيات أعلى ولكن كنت أسير في الطريق الخطأ، سبقتهم كثيرا وحدت عن الطريق منتشيا بالسرعة الهائلة حتى وصلت وحدي الى النهاية فلم أجد وجهتي. كان علي أن أعود لأصحح مساري فعدت وقد وصلوا إلى وجهتهم. وعلي أن أبدأ الرحلة من جديد. أضعت عاما من عمري ولم أشعر بقيمته إلا حين رأيت بعضهم متعاليا في الخطاب مغاليا في الاجتناب. جلست على قارعة الطريق أنتظر أحدهم من الثانوية الأزهرية وكانوا يمتحنون قبلنا للاطلاع على نماذج الامتحانات فتهرب مني مدعيا أنه يريد مراجعتها ومطلني الى صلاة العصر ثم صلاة المغرب ثم صلاة العشاء ثم أبى أن يسمح لي بالاطلاع على الامتحان. لم أكن أدري لماذا؟ وماذا يضيره؟ وقد تحصلت على النماذج من غيره من الطلاب الأكثر وفاء وعطاء وإن كانوا أقل أداء وعلمت لماذا أحيانا يكون عطاء الفقير أسهل عليه من عطاء الغني. وعلمت أن ميزاني للرجال كان خاطئا. أكملت مسيرتي الجديدة متشبعا بالألم ومرارة الهزيمة فكنت لا ألوي على أحد ولا شيء إلا المذاكرة في المقرر فقط دون قراءة كلمة أخرى في مصدر آخر. لم أسمح لأحد بمجالستي أو حتى الحوار معي واختفيت أجتر ذكرياتٍ رحلت مع أصحابها وأسبابها مصرا على الانتقام : الانتقام من ضياع الوقت والجهد فضاعفت وقتي وجهدي لنفسي حتى وصلت لنهاية الطريق والبداية الحقيقية لحياة جديدة. زارني الأزهري بعد سنوات وجلس معي ومع والدي وقال بلسان فصيح إنه لا ينبغي للمرء أن يجلس مع من هم أصغر منه أو أحدث لأنه لا يستفيد منهم وهم المستفيد الوحيد من الجلسة. ضعف أبي أمام عاطفة الأبوة ورغبته في أن أتفرد في كل شيء فأثنى على الكلام وأعجبته الطريقة فقال مغتبطا يحثني عليها هكذا فلنفكر ولتكن. كان عندي كثير من الكلام أود أن أقوله لهذا الزميل، وقد منحني الفرصة لأقوله له وقد استفزني كلامه ونكأ جرحا حديثا فقلت لأبي هذه حياة الطفيليات من الديدان والحشرات الذين يمصون دم العائل غير مبالين به وبحياته وهي حياة لا تليق بصاحب كرامة ونفس سامية. ولو أننا تبنينا هذا المنهج وطبقناه ما انتفع متعلم بمعلم ولهدمنا حضارة الانسان وتطوره هدمًا فضلا عن كون ذلك منهي عنه أخلاقيا وشرعيا فالحياة على الأقل تقوم على التعاون وتبادل المصالح لا على الأثرة واستغلال الآخرين. رأيت عيني أبي تلمعان غبطةً وسرورا، ورأيت نجاحي في غوريهما فقد كان منطقي قويا وبرهاني جليا وانتزعت قناعة أبي واقتناعه من صاحبي انتزاعا. لقد تعلمت درسا قاسيا، وتطورت تطورا قياسيا، تعلمت أن بعض الظن من حسن الفطن وأن ليس كل الظن إثما. وأن تعطي بقدر فإن الله الذي بيده خزائن السموات والأرض يقدر الليل والنهار وينزل من السماء ماء بقدر. تعلمت أنك إذا وقعت وسط الخيل وهي تسبح في الفضاء الرحب لن تسبقك فحسب بل ربما دعستك بسنابكها ولم تلحظك. فلا تكن مستباحا أبدًا فأنت لست ملكاً لنفسك وحدك، بل ربما يناط بك أجيال تترى ترفعهم بجدك أو تضعهم بجهلك


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
58 المشاهدات
0 تعليقات