القراءة
May 20, 2023 10:54 AM May 20, 2023 10:54 AM
اقرأ يالها من كلمة! بها بدأت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأشرقت شمسُ نبوته على الكون، بل واقترنت باسم الله الذي خلق، الأكرم الذي علم بالقلم. "اقرأ" أمرًا وتكليفاً لنبيٍ أميٍّ، ليتجاوز المستحيل واللامعقول لأن القراءة تصنع المعجزات وتحقق المستحيل. بل وفي آية أخرى ( سنقرؤك فلا تنسَ إلا ما شاء الله …). ولا ينكر قيمة العلم وأهميته كما وردت في آياتٍ كثيرة عاقل ولا جاهل فالقراءة باب العلم والسلم الموصل إليه والعلم باب المجد والرفعة والملك ولكنه نعمةٌ مغبونٌ فيها كثيرٌ من الناس. حركتان وسكنتانِ، حرفانِ وحرفانِ، وألفان يكتنفان الكلمةَ ابتداءاً وانتهاءاً وهما أول حروف الهجاء أو القراءة. فيا للكلمةِ وما تختص به من جمال وكمال. حرف متحرك تحس فيه بحركة الحياة والعلم والمعرفة التي تسكن بها النفس وتشعر بالسكينة كما سكن حرف بعد حركة حرف. بل وأجمل من ذلك وأرق أن يبدأ الفعل بالف وصل مكسورة ثم ينتهي بهمزة ساكنة فوق الألف وكأن القراءة ترتقي من الأدنى إلى الأعلى رقيا وسمواً، وبين طرفي الكلمة تفخيم الراء لفخامة القراءة وقيمتها. لا إخالُ امرأً يماري في القراءة وفضلها اليوم. بل الأمرُ: ما نقرأ؟ وكيف نقرأ في تلك الأيام القليلةِ ساعاتها على كثرتها، الهزيلةِ مواردها على وفرتها. لقد أصبح الواحد منا يحمل في مخبأته ملايين الكتب من أمم ولغاتٍ شتى، وموضوعات لا تحصى، ولكنها الوفرة الهزيلة والكثرة القليلة. وفرة تسبب التخمة وتعصف بالشهية، وكثرة تسبب الضياع والخبال وتذهب براحة البال. والقاريء الحق هو من يستطيعُ أن يفرز ويميز الخسيس من النفيس والغثَّ من السمين فيكون كالنحلة تقع على الرحيق والزهور ف ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس). القراءة كما يقول عنها الأستاذ العقاد ( تضيف لعمرك أعمار الآخرين)، وكيف لا وهم يعطونك عصارة عقولهم وخلاصة أفكارهم وتجاربهم في الحياة فيختصرون لك الوقت اختصارا، ويدخرون لك الجهد ادخاراً، وما عليك إلا أن تبدأ من حيثُ انتهوا ومن حيثُ انتهيت أنت إلى ما أفضتْ إليه قرائحهم فتبني على ما بنوا وتترك ما بنيتم جميعا للأجيال القادمة تكملُ عليه وتسلمه للخلف كما أسلمهم السلف نسقا تسير عليه الحضارة الانسانية وبناءاً دائماً يعلو ولا يتم أبدًا.وهكذا تتحق سمة التراكمية في العلم ويكون سمته لدى العارفين. فبالقراءة إذاً تستطيع أن تضيف سنوات وسنوات لعمرك ويمكن إذاً أن نسأل كم قرأت؟ لا كم عمرك؟ والحق الحق أن السؤال يجب أن يكون كم تعلمت؟ لا كم قرأت؟ فلرب قاريءٍ خيرٌ له لو لم يقرأ وسامعٍ ليته ما سمع. القراءة سباحة في بحر المعرفة تحتاج مرانا ودراية، فإذا توفر المران كانت أسهل وأكثر متعة. وعرف القاريء ما يجب أن يقرأه وما لا يجب أن يشغله عن قراءة ما هو أهم. ولا ريب أن الزمان تغير واربد وجهه، وتغير الناس،سلوكهم وتعاملهم، تغيرا جذريا، أذرى بثوابت القيم ونواميس الأولين؛ فتغيرت الحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية بشكل يفرض علينا نظاما جديدا، ونواميس أخر، إذا لم نعلمها ونفهمها ألفينا التكيف صعبا والبقاء أصعب. ذلك التحول الرهيب يفرض علينا نوعا جديدا من المعرفة والخبرة، ومن الدراية والدُربة، لن يتأتى لنا إلا بتجارب قاسية، ونتائج أشدّ قسوةٍ، ربما نستطيع أن نقلل من آثارها بالقراءة، القراءةِ الجديدة اللازمة لهذا التكيف وتلك المتغيرات. ولعله لم يعد خافياً على ذي فطنة وكياسةٍ أننا بحاجة لقراءة التوجهات والوجوه، والعيون والظنون، كي لا نقع فريسة الاحتيال في الشباك والحبال ومرمى النبال. إننا اليوم أحوج ما نكون لقراءة الرجال، فراسة وكياسة، لا تنجيما ولا رجما بالغيب، ولكنه بعض الظنِ والحيطة والحذر. وليس ذلك بمستطاعٍ إلا عن معرفة حقة بوقائع الدهور وسير الأمور، وأخبار الأذكياء والحمقى والمغفلين، وما إلى ذلك، تراثا مقروءا ومسموعا يهب المرء تجارب السنين وحكمة المعمرين، ويقيه مصائد النصابين والمحتالين. فلا تغرنك دمعة كاذبة من عينٍ كاذبة، ولا مسحة حزنٍ مصطنعة على وجهٍ يخفي وجها يبتسم استهزاءا واستغفالا. وحذار من صرخة استغاثة واستنجاد تنصب لك شرك المروءة والشهامة فترديك في قعر مظلمة قد لا تخرج منها أبدًا. هنا تبرز لك أهمية القراءة بوجهها الجديد، فلا تغفل عنها ولا تنِ في طلبها؛ فالقراءة ليست غذاء الروح والعقل فحسب، بل هي ضرورة وسببٌ من أسباب الوجود.


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
145 المشاهدات
0 تعليقات