قدحُ صراحة.
May 29, 2023 11:24 AM May 29, 2023 11:24 AM
ذاتَ ليلةٍ علَت فيها الضحكاتُ و أصواتُ أقداحِ القهوةِ تُملَئُ مرارًا و تكرارًا ، أجلسُ على كرسيٍ خشبيٍ وأمامي يجلسُ هتّان ذو الوجهِ البشوشِ تفصلُ بيننا منضدةٌ مستديرةٌ تتلونُ بأزهى درجاتِ البنيّ، رفعتُ كوبيَ الرماديّ الممتلئ لنصفهِ بالقهوةِ السوداء، أخذتُ رشفةً وما أن وصلت إلى جوفي حتى رأيتُ هتّان يرمقني بتلك النظراتِ التي أعرفها جيداً : هيا قُل ما عندك أفصح عمّا يجولُ بذهنكَ يا صديقي . قال هتّان بينما تعلو وجههُ علامات الإستغراب : كيف عرفتَ أني أفكر بشيءٍ ما ؟ ضحكتُ على مدى ظرافتهِ : وكيفَ لا أعرف ؟ إن لم أعرفكَ أنت فمن سأعرفُ يا هتّان ؟ أستطيعُ معرفة مالذي يجولُ بجوفكَ قبل حتى أن تجدَ أحرفك، أُميّزُ كل جزءٍ منك كما أميّزُ ظهرَ كفّي ، والان هيا أخرج ما بجعبتك. نظرَ هتّان بعينيّ حتى شعرتُ كأنه ينظرُ لروحي لا عينيّ : لم ترعبني فكرةُ الموت بعقلكَ بقدر استمرارك بالحياة زين، استمرارك بالرغمِ من كل الأصواتِ التي أعلمُ تماماً أنها تستحوذُ على عقلكَ و تحشو كل تجويفٍ بداخلِ فصّك الصدغيّ و تملؤهُ بالأفكارِ و الذكرياتِ التي حاولتَ جاهداً تجاهلها و تجاوزها، أدركُ بأنكَ تعودُ في نهايةِ كل يومٍ لسريركَ و أنتَ مدركٌ كل الإدراكِ بأنَ محاولاتكَ تبوءُ بالفشلِ واحدةً تلو الأخرى و تشاهدُ كل أمآلكَ الزائفةِ تُمزّقُ و تُحطَم بينما أنت تستلقي على سريرٍ لاشيَ يملؤهُ سوى الخيبات المتتالية. أشحتُ بناظريّ في حالةِ ذعرٍ طفيفٍ من صديقي الذي يُلقي عليَّ الحقائقَ ولا يبالي أخذتُ رشفةً أخرى من قهوتي التي أستطيعُ رؤيةَ انعكاسي على سطحها، رفعتُ عينايَ ولا يزال هتّان يحملُ نفس النظرة، لم أستطع التفوّه بكلمةٍ واحدة . بينما أسهبَ هو حديثه: أتظنُّ أني لا أعلمُ بأن الأفكارُ السوداء تعشعش في دماغكَ ليلاً و نهاراً؟ أتظنُّ بأني لا أرى الفراغ الذي يعتري عيناك و يخطفُ لمعتيها، حتى حينَ يحيطكَ جميعُ من تحب، إن شيئاً بداخلكَ مشروخٌ زين ! أستطيعُ رؤيته في عينيكَ و أحرفكَ و حتى ضحكتكَ المزيفةَ التي تظنُ بأنك أتقنتَ تمثيلها، أتظنُّ الله سيسامحُ كذباتكَ حينَ تقولُ أنكَ بخيرٍ بينما كل شيءٍ ماتَ بداخلك؟ ؟ جميعُ أحرفي فرّت هاربةً من لساني، لا حرفَ يستطيعُ الخروجَ و محاولةِ إصلاحِ هذه الفوضى، مرت دقيقةٌ من الصمت حتى أخيراً وجدتُ بضعاً من أحرفي : مالذي بيديّ لأفعلهُ يا هتّان ولم أفعله ؟ مالذي كان باستطاعتي قوله أو فعله حتى أتخلّص من كل اللعناتِ التي نُقِشَت على عظامي ؟ أنتهت الحرب، أنا خسرت ، نهايةُ القصة، لا مزيدَ من المحاولاتِ و بالتأكيدِ لا مزيدَ من النحيب، لم يتبقَ شيءٌ سوى القليلِ من التظاهرِ و الآمال الزائفة حتى نجتازَ ما بقيَ لنا على هذه الأرضِ الرثّة، سأفردُ جناحيّ المصابينِ عندَ أقربِ فرصةٍ ولن ألتفت، لكن حتى حينها دعنا نتجرّع القهوةَ و نقرأُ ما نستطيعُ من الكتبِ، أريدُ أن أحتفظَ بكَ في ذاكرتي .


الكاتب: زيـن
0المفضلة
58 المشاهدات
0 تعليقات