لو كان لي أن اختار
Nov 8, 2023 05:48 PM Nov 8, 2023 05:48 PM
يمضي العُمُر فلا أختار إلا ما يُفرَضُ عليّ بأحكام الحياة، ولقدْ تقلبتُ في الهناءِ والشقاءِ زمانًا أرضَى بهذا وأستسيغُ هذا على مضضٍ وكدر، فسلّمتُ لهذا الحال واستسلمت، كيفما تُسيّرُني الحياة سرت برضًا وشكر. ثمَّ على حينِ غرَّة لمحتُ روضةً غنّاء فيها من أصناف الجمالِ وألوانِها ما تتحيّر الألباب في التخيّر، ولقد تخوَّفْتُ من ضريبة الخوض والتمتع فيها، لما علمتُ من سالف العهد أنَّه مامن شيء يُنال إلا وله ثمن، فكيفَ بثمنِ هذه الجنَّة لا أحْتَمِلُ كُلْفَتَها. لكن هي النفس تُورِد المرء المهالك، تأْبَى إلَّا أن تنقاد، وخيرًا فعلت هذه المرة بصاحبها، فلقدْ دخلتُها أجُرُّ رجلي على مهل وحذر، أرفعُ رأسي في جو سماءها أنظر البديع من خِلْقَتِها وصفاء رونقِها وعذْبِ هواءها. وكما هو معلوم أن النفس لا تكلّ ولا تشبع رغم هزل طاقتها، فخضتُ غمار هذه الجنَّة وتوغَّلتُ أعماقها، فلا هي صيفٌ حار ولا شتاء قارّ، لا تسلِبُك شيئًا، وعطاءها ليس بذاك الممتنع الذي لا يُشْبع ويُغني، لكنّها كصبِّ الماء على البدنِ رقيق ينساب، تظلُ تبْغي وتبْغي تستلذّ به، وتستشعرُ أنه يغسل درنك باطنًا وظاهرًا. كأنّها العوض عمّا فات وما هو آت، ولو جالدتك الدنيا وتكالبت عليك، فساعة من نهار عندها تُزيح عنك شقاء عام وعام. لقد اخترتُكِ ياجنتي وكان ذاك اختياري الوحيد الذي سنحت وسمحت به الدنيا لي أن اختاره، فكنتي أعظم اختياراتي، وكل أسباب الخِيار تفرِض عليّ أن اختارُكِ مرة بعد مرة، بكل حب ورغبة وتوق. ولربَّما أحدِّثُكِ عن التوق قليلًا، فالنفسُ ذوَّاقة توَّاقة، فإذا ذاقت تاقت، ولقد انغمست غمسة في فيض بحركِ فذقت ذوقة أيقنت أنه ما على الأرضِ شيءٌ يغني عطاءُكِ لي، وكانت هذه الغمسة بمثابة الروح منكِ إلي فصرتُ منها وصارت مني، اذا تباعدت اجزاءُنا كنتُ كمن تعلق في السماء يهوي، إنّي بشوق واضطراب متى الجمع ولمُّ الشمل.


الكاتب: أسامة فاضل
2المفضلة
91 المشاهدات
0 تعليقات