مونولوج ناقص لعبدالرحمن إدريس
Nov 13, 2023 07:55 PM Nov 13, 2023 07:55 PM
"نص مشترك بين الشاعر عبدالله عبيد وبين الشاعر إياد الحكمي" يكتبُ كل الناس الأيام بما يتسنى في حوزتهم من ورقٍ أبلتْهُ الأيام ويكتبنا عبدالرحمن بملحِ الشمس.. جلسنا بالأمس نُفتِّحُ أبوابَ الدنيا في عجلٍ فضحكنا من أحزانٍ كان يخبِّؤوها أقوانا عنّا ويهيلُ الكأسَ على عبدالرحمن و يمضي نحو حبيبتهِ حُرًّا من أورام الزمنِ الأعمى.. أذكر في أيام الجامعةِ كثيرًا ما كان قطارُ الوقْتِ يمرُّ بنا إذْ نسخرُ من كل الأوهامِ، من الساسةِ، والثوريين، وأشباهِ الشعراءِ، وما تركَ السبعُ، وعبدالرحمن يحدِّثُنا عن أسرارِ الوردةِ في قريتِهِ.. عن لونِ المَطَرِ يكتبُ كل الناس الأيام بما يتسنى في حوزتهم من أثرِ الكلماتِ العابرةِ ويكتبُ عبدالرحمن الوقتَ بما في عينيهِ من الخيّالةِ والفُرسانِ.. الوقتَ المنسيَّ على أرصفةٍ ترقصُ تحت بساطير الجغرافيا وتنظّمُ سيرَ الكرة الأرضيةِ من أقصى الوطن المنفيِّ إلى أقصى المنفى الوطنيِّ.. الوقتَ المتصلِّبَ بين تلفُّتِ أقدامِ الغرباء وبين اللهبِ الناعمِ منسلًّا من مدفأة الصالونِ إلى الضحكاتِ المكتظَّةِ حول الطبليَّةِ في شرشفها الثلجيِّ إلى بلّور شبابيكِ البيتِ و"حَصْحَصِ" إسفلتِ الحيِّ الشعبيِّ وبِيبانِ دكاكينِ الميدانِ.. ويكتبُ عبدالرحمن الوقتَ اللازمَ للعشاق ليرتادوا كل الحاناتِ وساحاتِ الحربِ وزاويّاتِ شيوخِ الحضرةِ والليلَ الأبيضَ من كل نهاراتِ الإنسانِ.. الوقتَ المتفلِّتَ من بين أصابع سيّدةٍ في منتصف الحُسن تمامًا.. نحتَتْ وجهَ التاريخِ بتلويحةِ يُمناها ورمَتْ باليسرى شالَ الأبديّةِ فوق جدائلِها وانصرفَتْ لا تتعثرُ بالطوفانِ ولا تتأثرُ بالنيرانِ.. ولا تُدرِكُها كفُّ القدَرِ يكتبُ كل الناس الأيام بما يتسنى في حوزتهم من فوضى الأصوات وسفسطةِ القنواتِ الإخباريةِ وعواءِ التغريداتِ ومنظوماتِ الأخلاقِ المختلّةِ.. ويفاجئنا عبد الرحمن برغبتِهِ في أن يتوصلَ علماءُ التقنيةِ لسقفٍ موسيقيٍّ يؤويه من العالم حيث تَوجَّهَ في هذا العالم.. وقديمًا قال الأشياء جميعًا عن كل الأشياءِ.. وما زال "الخرّاطون" يقولون الأهواءَ عن الأهواءِ.. ولا ينقصُ عبدالرحمن سوى أن ينأى كي يكتملَ المعنى النّائي في إطراقِ رياحِ العارفِ قدّامَ هباءِ العرّافينْ في عرجةِ شيخٍ يسندُه الشارعُ أو في نظرةِ طفلٍ يلسعُهُ الأنسولينْ في ضعف الجبّارين الظلَمةِ واستبسال المظلومينَ المجبورينْ في الظرف المختوم برائحة المحبوبةِ والدمعِ الأحمرِ ودُخانِ الرّحلةِ وأناشيدِ الطينْ "ع هدير البوسطة ال كانت ناقلتنا من ضيعة حملايا لضيعة تنورينْ" في عجلةِ هذا الزمنِ الحجريِّ يدحرجها أملٌ سيزيفيٌّ من كانون الأول حتى الثاني من تشرينْ.. حتى آخِرةِ الحجَرِ يكتبُ كل الناس الأيام بما يتسنى في حوزتهم.. إلا عبدالرحمن فيتركها عاريةً كالفكرةِ في أوج نضارتها لا يسترها غبشُ التنظيرِ ولا مرضُ الذكرى!! يتركها تحملُهُ نحو بلادٍ لا تعرف إلا الموسيقى والألوان.. رأيتَ فماذا يصلحُ من خشبِ الروحِ لتشعلهُ برماد "البحر الأحمر" يا عبدالرحمن؟ وهذا الأفقُ المزدحمُ بطيرٍ لا يصلح للزينةِ أو للتحليقِ بلا هدفٍ يسخر منكَ، ويسخر منّا، طقس مدينتنا الساخن يسخر منكَ، ويسخر منّا.. "جبل الملح" يطالعكَ ويسخر منكَ، ويسخر منّا، والأحلامُ المنسيّةُ تسخر منكَ، وتسخر منّا، الطرقُ الفارغةُ وتلك المملوءةُ بالسياراتِ الفارهةِ ستسخر منكَ، وتسخر منّا.. فبماذا نكتبُ أشياءَ العمرِ الماضي والعمرِ المستلقي كالتابوت؟ وهذا الجاثمِ فينا كالنصِّ المكبوت؟ بماذا نكتبُ يا عبدالرحمن قصائدَنا؟ فالشجرُ الأخضرُ غادرَ والعصفورُ الخائفُ غادرَ و"البحر الأحمر" غادرَ والصيادون يخيطون الشبكَ لسمكٍ لا يعرِفُ شكلَ خريطتِهِ.. والعالمُ يرشحُ موتًا.. يقطرُ موتًا.. فبماذا نكتبُ يا عبدالرحمن قصائدَنا الغامضةَ كحَجَرٍ يحلمُ بالسَّفَرِ؟!


الكاتب: عبدالله عبيد
0المفضلة
37 المشاهدات
0 تعليقات