حمارُ العم رجب
Feb 4, 2024 01:40 PM Feb 4, 2024 01:40 PM
حمار عمي رجب! عندما وصلتُ للصف الخامسِ الإبتدائي كنت أحمل كتبي وأدواتي في حقيبةٍ فُصِّلتْ من القماش ( كيس)، لها يدان من القماش المطوي عدة طبقات تحيطانها من الطرف إلى الآخر . كانت كتبٌ وكراساتٌ كثيرةٌ لا أترك منها شيئا في البيت، وليس عندي مفهومُ وثقافة جدولِ الحصص بعدُ. كان علي أن أحملها كل يوم ذهابا وإيابا خمسةَ كيلومترات في الشوط الواحد تقريباً، وكان علي ألا أتأخر. وتفاديا لذلك كنت أحرص على الوصول قبل موعد المدرسة بمدة كافية،ولم تكن عندي ساعة أعرف بها الوقت، بل غاية ما هنالك النظرُ إلى موضع الشمس في السماء، أو سؤال أحد المارة، فتارةً يجيب وطورا يكون الجواب ليس معي ساعة. كانت حقيبتي هي مكتبتي المتنقلة أعلقها على كتفي كلما غدوت للمدرسة أو رحت، ولا بد لي من ذلك، كما لا بد لي من توزيع حملها على كتفيَّبالتناوب، متى كلَّ أحدهما ناب عنه الثاني وهكذا كل يومٍ، نبدأ في الصيف ونقضي الشتاء كله ثم الربيع حتى أوائل الصيف التالي رفيقين لا يفترقان. وكان علي أن أستريح متى وصلت المدرسة حتى يقرع جرس الدخول! فقد كان للدخول جرس وللخروج جرس وللحصص جرس وللفسحة جرس يتولى أمر ذلك كله العم رجب فراش المدرسة منذ التحقت بها عام ١٩٧٨ وحتى تركتها بعد ست سنوات من الدراسة. كان على بساطته حسن الإيقاع ظريف الإبداع، ولعله أول تقسيمٍ موسيقيٍ داعب سمعي في أيام الطفولة، لكل إيقاع معنى وفرحة خاصة. فالبداية والنهاية كانت ( تن تتن يكررها ست مرات، وينهي كل حصة بإيقاع تتن تن مرة واحدة أما الفسحة فكانت (تن تن تتن) مرتين النغمة التي ننتظرها لنركض من الفصول إلى البائعين نشتري طعاماً أو مصاصة ويا لها من تجربة مثيرة ولذيذة، فقد عمد من يصنع المصاصة إلى وضع قطعة نقود معدنية في بعضها حتى إذا اكتشفها الطفل في مصاصته أصابته فرحة غامرة وصار يحاول كل يومٍ ولا يضيع فرصة تجربة حظه في أن يربح قطعة النقود ويتناول المصاصة مجانا وقد كان ذلك أول دوافعي في فهم أهمية التفكير ومعرفة لاحقا بقاعدة مهمة في التسويق وهي الإغراء والتشويق فضلا عن أهمية تطبيقات الفيزياء عمليا. فقد أردت أن أكسب كثيرا وفكرت وأنا في العاشرة وربما دون ذلك فهداني تفكيري لاستخدام وزن المصاصة ومقارنة الأوزان باعتبار المعدن أثقل فكنت أحملها على أطراف أصابعي وأزنها بتقدير الثقل وأكرر ذلك حتى أحس بأثقلها وزنا نسبةً لغيرها فأشتريها، ومن المدهش أن الطريقة كانت ناجحة بنسبة تزيد على ٥٠٪ من المحاولات وهكذا أستطعت أن أصيب في تقديري وأجرب طريقة علمية في زيادة فرص الفوز ولكن حزني على فشل القياس كان حافزا لي للنفور من الفشل وحب النجاح والكسب وهكذا ظللت أحاول حتى اهتديت لفكرة علمية آخرى زادت من فرصة الفوز، ألا وهي رفع المصاصة المغلفة بالورق في اتجاه أشعة الشمس ثم النظر من خلالها على أشعة الشمس فأحيانا يكون الورق خفيفاً وأستبين دائرة معتمة داخلها لا تسمح بمرور الضوء فأعرف أن قطعة النقود وهكذا كان الأمر مشوقا ولذة الفوز بالحظ دافعا قويا لتكرار المحاولة كل يوم، ونعود إلى ما كنا فيه … كان العم رجب فلاحا شأنه شأن كل أبناء القرية على اختلاف وظائفهم، فالوظيفة طارئة على حراثة الأرض وثانوية لها بينما الأرض عرض وشرف من حرم منه مسكين يخرج له من الحب وما يجود به الزرع والضرع على سبيل التكافل والتراحم والمودة وصلة الرحم، وأحيانا الزكاة لمستحقيها، كما أن دخل الوظيفة لا يكفي لإعالة الأسرة التي تكون كبيرة عادة عند أبناء الريف، وتتولى ذلك الأرض بما تُخرج من قمح وذرة وفول وعدس وخضروات متاعا لهم ولأنعامهم التي تدر عليهم الحليب والزبد والجبن والقشطة وغير ذلك من البط والدجاج والحمام والبيض وما رزقهم الله. فقد كانت الأرض كالبيت والأنعام كأفراد الأسرة تُرعى كما يرعى كل فرد فيه. كان العم رجب يربط حماره أمام المدرسة على (طوالة) مبنى من اللّبِن عبارة عن جدارين متقابلين بارتفاع بسيط وبينهما فراغ توضع فيه الأعلاف والحشائش للطعام ويصلح الجدار الخارجي للجلوس عليه كالمصطبة ( او الدكة او الكنبة بلغة العصر)، وكنت كلما وصلت متعبا جلست أستريح حتى يقرع الجرس إيذانا بدخول المدرسة وبداية اليوم الدراسي أو نهاية الفسحة. وفي يوم من أيام الصف الخامس جلست كالعادة على الطوالة وفتحت شنطتي القماش وأخرجت كتابا أقرؤه وشغلت به عن حمار العم رجب الذي شغل عنه العم رجب في ترتيب المدرسة وتأخر عليه بالفطور فعبث به الجوع ومد أنفه على حين غفلة مني يتشمم حقيبتي ويبحث فيها عما يسد به جوعه ثم راقت له كراسة الخط العربي فسحبها والتهمها على حين غرة مني ولم أدرك منها إلا بعض القصاصات التي لا تصلح، وأصبحت بلا كراسة خط ومرت بضعة أيام حتى كان موعد حصة الخط فطلب المعلم منا إخراج كراسة الخط لمحاكاة الكتابة وخجلت أن أخبره أن كراستي أكلها حمار عمي رجب فلم يكن يروق لي الإحساس بأن حمارا سرق كراستي وتناولها على الفطور ولا ضحك زملاء الفصل على ذلك، قد كنت أستطيع تحمل أي شيء إلا أن أكون ضحية الحمار فقلت للمعلم أنني نسيت الكراسة في البيت ولأنني كنت متفوقا في الدراسة لا سيما اللغة العربية ولم أتأخر عن واجب أو أنسى كتابا من قبل تجاوز لي المعلم عن هذا وقال أخرج كراسة واكتب مع زملائك ولا تنسها الحصة القادمة، وفي الأسبوع الثاني تكرر الموقف وما زلت عند موقفي فقلت للمعلم نسيت الكراسة فتجاوز على مضض وقال هذا عذرك الأخير وفي الأسبوع الثالث وقبل موعد الحصة بيوم ناداني المعلم وقال لي: تعال فذهبت له فقال لي غدا حصة الخط فلا تنس كراستك ثم أمسك ورقة وكتب عليها لا تنس كراسة الخط وأعطاني إياها وقال هاتها مع كراسة الخط غدا!!! لقد بدا لي أن المعلم أصبح يقظا ومتذكرا لكراسة الخط الخاصة بي أكثر من أي شيء آخر ولم أستطع أن أخبره بما حدث فقد أصبحت متورطا بالكذب وتلف الكراسة ولا أعرف كيف أخرج من هذا المأزق وأنا طفل في العاشرة من العمر وعندما ذهبت للبيت طلبت الغياب من المدرسة لأول مرة فأدرك أبي أن هناك مشكلة فتحدث معي حتى أخبرته وقال لي أن الأمر بسيط جدا كل ما عليك ان تخبر المدرس بما حصل وتكتب في كراسة من عندك تسميها كراسة الخط وأخبرته أنني لا أريد أن أخبره أمام التلاميذ فنصحني بإنتظاره خارج الفصل او بعد الطابور وإخبارها بكل ما حدث ضحك الاستاذ كثيرا عندما أخبرته أن حمار العم رجب هو الذي أوقعني في هذا المأزق وأحرجني حتى لما أستطع أن أخبر المعلم بما حدث وقال كنت أعلم أن الأمر أبعد من النسيان لكن لم أكن أظن أنها بسبب الحمار وازداد المعلم حبا لي وقربا وازددت حبا للمطالعة والقراءة حتى اليوم


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
61 المشاهدات
0 تعليقات