• هوهوز

    هوهوز! كنت طالبا هاربا من طب الأقاليم إلى طب القاهرة، وهناك التقيت بعدد لا بأس به من الزملاء الهاربين مثلي من جامعات شتى إلى القاهرة، ولكل واحد منهم غاية أو دافع لترك جامعته الإقليمية لجوءاً إلى القاهرة. وقد كان التحاقنا بعد بداية العام الدراسي مما جعل الكلية تجمع كل هؤلاء الطلاب في مجموعة واحدة كانت مزيجا من الشعب المصري بكل طوائفه وطبقاته ولهجاته، عينة عشوائية مثالية من طلاب الطب في مصر تمثلهم تمثيلا رائعا وبديعا وتشكل تنوعا طبقيا وثقافيا ممتعا لم أزل أعتز به وأشعر بقيمته في صقل الإدراك وصياغته والاستماع للحكايات والمواقف الطريفة أو المؤسفة بما يخلق ثقافة ومرونة عالية. في أحد الدروس العملية في القصر العيني، وكانت لنا إطلالة على نهر النيل بأشجاره الخضراء ومياهه السمراء جلست بجوار زميلة فاضلة من الطبقة الأرستقراطية ( بنت عز ) وبين الدرسين قررت النزول للكشك ( محل صغير سريع التركيب من الخشب للبيع ) فقالت لي الفتاة المهذبة المنعمة بأدب جم وذوق رفيع- وكنا جيلا روّاه الاحترام والتقدير - ذاهب للكشك؟ قلت لها نعم ؛ فقالت ممكن تشتري لي هوهوز؟ … وكانت أول مرة أسمع هذه الكلمة التي أربعة أخماسها هوهوةٌ فقلت لها ايه؟! هوهوز .. أجابت وشعرت بأزيز الخمس الأخير من الكلمة في أذني ولم أجد بداً من السؤال عن هذه الكلمة التي لم أعرف إعادتها فقلت لها ما هذا؟ فكان استغرابها لا يقل شيئا عن استغرابي إذ كان يخيل إليها أن كل المصريين يأكلون هوهوز وأنه فرد من أفراد العائلة المصرية لا يسع أحد منهم جهله، فرددت بلهجة واثقة وعرفت الماء بعد الجهد بالماء وقلت هوهوز! … هوهوز! فسألتها عنه مرة أخرى مندهشا من استغرابها وفاجأها السؤال عن تعريف الهوهوز فأسقط في يديها حيث انه يؤكل ولا يعرَّف فهو شيء تعرفه حاسة الذوق لا السمع، فلم تجد جوابا أفضل من أن قالت لي اطلبه من الكشك وهو سيعطيكه، في الواقع كان ردها سهلا ومنطقيا ومهذبا حيث أن شرح ماهية الهوهوز ربما لم تكن مناسبة لطالب طب، ولكن شراء مجهول أمر في غاية الصعوبة أيضاً وحفظا لماء الوجه فعلت ما أوصت به ونجحت الفكرة. أمسكت الهوهوز بيدي وتعرفت عليه للمرة الأولى غلاف أنيق لامع وصورة واضحة للمحتوى حتى يعرف أمثالي ما هو الهوهوز وكتبت الكلمة باللغتين العربية والإنجليزية، قلبتها في يدي وعيني حتى لا أنساها وابتسمت ورددت هوهوز مرتين وصارت معرفة بيني أنا والهوهوز استمرّت لليوم، وفي كل مرة أشتري هوهوز أجد الذاكرة أطعم وأجمل وألذ. أكلت زميلتي الفاضلة ثم التفتت إلي قائلةً معك كلينكس؟ نعم ؟! كلينكس! وجمتُ وبدت علي الدهشة فأدركت ذلك وتداركت قائلة كلينكس ! كلينكس! مش عارف كلينكس ؟! وأصابتها دهشة أكبر من دهشة ال (هوهوز) ولأني حرفياً ليس لدي أي فكرة عن هذا المصطلح الجديد لم أجد بدأ من الاعتراف بأني لا أعرف ما هو الكلينكس فقالت منديل بصوت خافت خجلا أو إشفاقا فقد كانت فتاة راقية ومن أصل رفيع لا تحب ان تسبب إحراجا لأحد دسست يدي في جيبي واخرجت المناديل وسألتها هي مناديل تعني (كلينكس ) وكنت أحسبها ترجمة لكلمة منديل بلغة ما وانا لا أعرف إلا هاندي وفلورا في ذلك الوقت فابتسمت وردت لي مناديلي الشعبية. وسألتها لماذا قلت كلينكس ولم تقولي مناديل او هاندي او فلورا فابتسمت وخجلت وقالت كنت متوقعة أنك عارفها كلنا بنقول عليها كلينكس! ابتسمت وقلت وانا كمان من النهاردة أسميها كلينكس ركضت الأيام سريعا ومر ربع قرن على هذا الموقف الطريف ولم يزل عالقا بذهني وأجمل ما فيه رقي المعاملة والاحترام. وكم من مواقف صغيرة ولكنها تحمل معاني وأفكارا وأحاسيس عظام

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    42 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    موقف 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • هوهوز