• لا حياةَ لمن تُنادي

    تعامدت شمس الظهيرة فوق الرؤوس معلنة انتصاف النهار،تكاد ترى السراب فى كل مكان يتسع لمترين امامك فى كل النواحي، كلما رفعت النظر بعينيك الى الأمام ترى السراب امواجا تتأرجح من شدة القيظ، كعادة شهر يوليو من كل عام، رغم ان خبراء الارصاد الجوية يعلنون دائما بأن الطقس معتدلا فى منطقتنا الحبيبة، إلا أن درجات الحرارة في ذلك الوقت من النهار تكاد تحرق ما تمضي علية معلنة شدتها وبأسها، لولا تلك السحب العابرة فى السماء العالية، لتحجب رغم مرورها البطيء بعضًا من حرارة الشمس وقيظها. أجلسُ وجدتي تحت ظل تعريشة العنب فى اخر الحقل، تتدلي عناقيد العنب التى لا تزال لم تنضج بعد مخضرةً على حالتها، تنتفخ شيئا فشيئا كامرأةٍ حبلى تكبر بطنها يوما بعد يوما مع فارق التشبيه بين ثمرة وثمره. انتهت جدتي من صلاة الظهر جالسةً لكبر سنها وعدم قدرتها على الوقوف والركوع، لخشونة اصابت مفاصلها وهشاشة أوشكت أن تأكل عظامها، إلا انها مازالت تعاند الكِبرَ شيئا ما، دوى صدىٰ صرخاتٍ فى الأنحاء. كان بيت العائلة على الطرف المقابل للحقل على بعد ما يقرب مائة وعشرين مترا. سمعنا الصرخات مرة ثانية، ثلاث صرخات، يبدوا أنها جاءت من بيت العائلة، نهضتُ واقفا، وقامت جدتي خلفي بصعوبة، ومشينا نحو الصوت لكي نعرف ماذا هناك، وما اللذي يحدث ولما الصرخات تزيد. حين وصلت الى بيت العائلة بعد دقيقتين تقريبا، كانت أصواتُ الصراخ قد انقطعت، وتبدلت بالبكاء والنحيب، كثر الصوت وزادت حدة البكاء، وجوه باكية ورؤوس منكسة، خريرٌ من الدمع يسيل على كل خدٍ، نظرات الواقفين تتفحصني، تمتد اياديهن لتمسح راسي، وانا اقف مشدوها لا أدري شيئا ولا اعلم ما الذي يحدث. لِما المشهدُ مملوءا بالدموع، ولِما اصوات البكاء والنحيب يغلبها الضجيج والصفير، ولما الجميع ينظرني بعين الشفقة هكذا. إرتجفت يداي بحيث لا أستطيع إيقاف رجفتها، وارتعدت شفتاي دون إدراك مني، وزادت نبضات القلب حتى يكادُ يترك موضعه بين الضلوع ويهرب. أمشي على قدم وكأنني أسير على جمرٍ يتقد لهيبا، لم يعد الشعور بالأشياء من حولي كما كان من قبل، كأنني فى حلم خلف ضباب الليل وظلمات النوم. امشي ولا ادري هل تتحرك قدماي ام تسحبني الريح إلى حالٍ سحيق. جمعٌ من النسوة فى مدخل البيت من جيراننا، وجمعٌ اخر من نسوة بيتنا على أعتاب غرفتنا يغلقون مدخلها! لماذا يقفن هنا عند باب غرفتنا، ام إن المصاب مصابنا؟ يجلس على ركبتيه ممسكا برأسها على صدره يسندها اليه، على وجهه خَيطان من دموعٍ تسيل بلا إنقطاع، يتمتم بشفتيه كلاما غير مفهوم، تجلس جدتي بجواره تضع يديها تربت على ظهره، وتمسك بييدها الاخرى يد أمي المسندة على صدر أبي. وجهٌ باهتٌ مُصفر، كاوراق الخريف المتساقطه، كغصنٍ مكسور من عوده يتدلىٰ. كانت مغمضة العينين، جامدة الملامح على وجهها، لا دمع يسيل ولا انفاس تخرج، ممدة بين يدي ابي، هامدة عن كل حراك جامدة عن كل حياة، كان وجهها باردٌ مثل سقيع الشتاء فى ليالي طوبة،امسكت بيديها، انادي عليها، ولكن لا تجيب. امي، لا تسمع لي نداء أمي لا تجيب، اخبر ابي فلا يجيب أُخبر جدتي بجواره ولا تجيب، ينظرون إلى نظر المغشي عليه ولكن ليس من الموت بل من الدهشة والذهول، فما اللذي عليهم ان يخبروا به طفلا فى الخامسة من عمره، لا يعلم عن الحياة الا قليلا، كيف لهم ان يخبروه أن الموت قد اخذ منه اول اسباب الحياة فيه ، وكيف لهم ان يخبروه بأن وجه أمه هذا وتلك النظرة امام عينيه هي اخر صورة تطبعها عيناه فى ذاكرة الأيام الآتية. أُنادي على امي فلا تجيب،أَهزُّ وجهها بيدي ولا تجيب، فما الذي يمنعها عني، وهي التي كانت كانت تهرول الي إن سمعت لي صرخة أو أَنينا، بل كانت تصل الي قبل ان تسقط الدمعة من عيني. أنادي ولا تجيب، ابكي ولا تسمع، انظر ولا تراني، أهز يدها فلا تستجيب، ولا حياة لمن تنادي.

    الكاتب: كرم محمد حربي

    1المفضلة

    64 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    poetry story الفراق #كرم_حربي قصة_قصيرة 

التعليقات (0)

المزيد من كرم محمد حربي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • لا حياةَ لمن تُنادي