• الأستاذ الخائن

    ترددت كثيرا في وصف هذا الأستاذ لأنه لا يصح أن تقترن بكلمة أستاذ كلمة مشينة، فهي مهنة الأنبياء والرسل والمصلحين والفضلاء، وليس كل أحد كائنا من كان إلا ثمرة من غرس أستاذ، ولا يستحق الأساتذة إلا الإكرام والاحترام ابتداء وإنتهاءً. ولكن ما ثمَّ مجتمعٌ إلا ويفسد فيه فاسد ويبقى المجتمع صالحا نافعاً لا يضره شطط من شط ولا اعوجاج من اعوج. ألم تر إلى الملائكة كيف خرج عنهم الملكان هاروتُ وماروتُ؟! وإلى إبليس كيف فسق عن أمر ربه؟! تلك سنة الحياة إذن، وقطرة لا تفسد بحرا. وقد عمدت إلى وصف ذلك الأستاذ بما هو أهله ولكني عدلت عن ذلك إكراما وإجلالا لكل أستاذ ومعلمٍ، فكم ممن له فضلٌ علينا، ووجدت كلمة الخيانة ملائمة لما حدث ومقبولة أيضاً فنحن جميعا نختان أنفسنا في وقت ما -عفا الله عنا- ونحن نسرد الوقائع والأحداث اعتباراً لا اعتباطا، وتأريخا لما يكون بين الناس لعل أحدا يتعلم منه، وليعلم الناس أن هناك تاريخاً يكتب في وجدان البشر نقشاً على القلوب والمشاعر والأحاسيس ولو كان بالنار، وأن المظالم قد تحيا مع المظلوم ما دام حيا لا تموت حتى تدفن في قبره. لعل عاقلا يستفيد ولعل غافلا يستفيق. كنت طالبا في السنة الأولى في كلية الطب حديثَ عهدٍ بالنظام الجامعي، ولست من أرباب الوسائط ولا من وسط النافذين، وكان يوم الامتحان النهائي والعملي في علم وظائف الأعضاء، وكان يتم توزيعنا أفرادا على طاولات محددة في المعمل لإجراء التجربة في وقت محدد وفق قائمة أعدت سلفا ورتبت بالوقت الملائم لكل تجربة، يراقب ذلك ويشرف عليه مدرسون أفاضل أو هكذا يجب أن يكونوا جميعا . كان حظي في تجربة يجب علي فيها أن أستخرج بنفسي قطرةمن دمي وأقيس فيها نسبة الصبغ ( الهيموجلوبين). وقفتُ أنتظر أن يدق الجرس لأخلف من يسبقني وأنجز المطلوب مني في الوقت المحدد لي، كنت شابا على باب العشرين ولم يسبق لي خوض غمار الامتحان العملي من قبل، متوترا قلقا، ودق الجرس إيذانا بانتهاء التجربة وابتداء الأخرى وإذا الفتاة التي تسبقني في كنف ورعاية الأستاذ الخائن يجري لها بنفسه التجربة ويشرح لها ويعلمها رغم انقضاء وقتها ويسرق وقتي ويقدمه لها مع أنها أتمت تجربتها أو أتمها هو لها بالأحرى وضمن لها الدرجة النهائية لا ريب. ومع كل دقيقة يدق قلبي أسرع، وتتوتر أعصابي أفظع، وأنا أشير للخائن في خجل وقلق، كان إفرنجي السحنة غربي القسمات أبيض أشقر أزرق العينين وكأنه من مخلفات الحملة الفرنسية أو من الدنمارك ، نظر لي هذا الديك الرومي بخبث ولؤمٍ وقال لي لا تقلق سأكون معك حتى تنجز تجربتك في وقتك، ولم يكن ذلك إلا تخديرا وتسكيناً حتى سلبني نصف وقتي أو يزيد ليس لحاجة له بل لحاجة في نفسه لا أدري قضاها أم قبضها. أبدت الفتاة له رضاها فأنهى التجربة وصحبها وانصرف لا يلتفت إلي ولا يرشدني بحرف وأنا في صراعٍ مع الباقي من الزمن والآتي منه ومن زملائي. ربما تجد ذلك أمرا تافها وبسيطا، لكنك لو رأيتني وأصابعي ترتجف وأن أحمل دبوسا علي أن أطعن به إبهامي وأستخرج منه دما يجب أن أمص منه قطرة بماصة في فمي ثم أسرع بخلطها بمحلول وقراءة اللون في دقيقة باقية أو دقيقتين، لو رأيتني وأنا أطعن إبهامي فيعجزني الخوف والألم والقلق من تنفيذ طعنة كافية لاستخراج قطرة كافية فأعيد طعن إبهامي ثانية وثالثة، لو شعرت برعدة تسري في ظهرك وأطرافك وتعرق جبينك وتسارع أنفاسك وضربات قلبك بفعل الأدرينالين الذي يضخ في دمك كما علمونا في هذه المادة، وأفظع من ذلك إحساسك بالقهر وكيف سطا على حقك خائن وسلبك إياه وأنت لا حول لك ولا قوة، لو مررت بهكذا تجربة وجربت مرارتها وقسوتها ستعلم أو ستشعر بما شعرت أنا به، ولا شك شعر به غيري كثيرون. فالخيانة لا تنفك تلسع الأمناء هنا وهناك، والخائنون ما فتئوا يسلبون الناس راحة بالهم وسكينة أنفسهم فذلك ديدنهم. (ألا لعنة الله على الظالمين).

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    53 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    امتحان وساطة قلق سلب خيانة 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الأستاذ الخائن