أسطورة البقاء
May 15, 2024 06:48 PM May 15, 2024 06:48 PM
أغلقتُ الباب بهدوء بعدما تأكدت أنه في جُب النوم ، ورحت أزلق خطوتي إلى "فناء الدار " حيث تشرب أمي القهوة وتتأمل النجوم بجانب شجرة اللوز ، وإن حضرتُ تأملنا معًا وهذي عادتنا مُنذ أن أستباحت الغربة دواخلنا ، جلست بجانبها وأنا أضع مخدة خلف ظهري وأطرق لها سمعي وهي قائلة : من كان مثل جدكِ فيما مضى ؟ من كان مثل هيبته وصرامته وشجاعته وفضله وكرمه وصبره؟ وتكمل قائلة : ونحن صغار كنا إن سمعنا أن "علي" عاد من الغربة نعرف أن كل منزل في القرية سيحصل على كيس من الفواكة أو الخضروات وبعض الهدايا، وسوف تحتفي القرية في كل عصرية بزوار من القرى المجاورة ، كان جدي أشبه بالقاضي فيما بينهم لكنه دون مقابل ،من يأتي لمشكلة مع زوجته والآخر مع إخوته والكثير من مشاكل الورث ، والبعض يأتي بحاجة ثمينة كي يأمنها عند جدي ، فيأتون بعصبة من " القات " عصرًا ويسمرون إلى العشاء وتصبح القرية في مأمن وزهو وحياة ، وهكذا حتى يعود ثانية للغربة، كان حينها جدي من الأشخاص النادرين الذين حصلوا على تأشيرة للعمل في السعودية ، وعمل في الكثير من المدن هناك ، بدأ في الرياض ثم أبها ومكة والمدينة وجدة وما إلى ذالك ، حتى أعتدل حاله وستر نفسه أمام بشاعة الفقر بفضل الله . وفي عام 1990 قبل شهر أغسطس خرج جدي كعادته من السعودية يحمل بضائع وكان حينها قد استقر على العمل في الشحن بعد حصوله على باص بسيط وقبل عودته إلى السعودية حدثت حرب الخليج بين العراق والكويت ، وعلى أثر هذه الحرب فجاءة صدر قرار وقف الدخول أو الخروج من وإلى السعودية ، وكانت هذي طامة يقع بها جدي وتوقفت حياته لسنوات بعدما أنتهت تأشيرته ، وكانت تلك السنوات قاحلة بنسبة له وهو يمتلك عشرة أبناء صحيح أنه أرتاح من وعثاء السفر الذي كان يغيب لشهور فيه دون أن يعلموا هل هو حي أم ميت، وبدأ أعمومي يعملون منذ الصغر بعد المدرسة وبالأخص والدي كما يخبرني هو ، يقول أبي : أنه كان كل مساءٍ يبكي من تشقق يده وهو يعمل في الحرث لناس ومن مساعدة جدتي في حرث أرضهم ورعايتها .وفي إحدى الأيام سمع جدي أنه يستطيع أن يحصل على تأشيرة للعودة إلى العمل بعدما أنتهت الحرب ، فباع أشياء ثمينة في سبيلها وحصل عليها وكان ذالك عودة الحياة وبصيص الأمل لجدي وعاد لما كان عليه ، ولكن هذي المرة على غير المعتاد أطال في العودة إلى الوطن وتأخرت بضائع الناس واحتياجات جدتي وكان هذا يصادف شهر رمضان وشكوا بأن جدي قد توفى في حادث مروع حتى أنهم صلوا عليه صلاة الغائب وهذي ليست أول مرة يصلونها عليه ، وبعد محاولات كثيرة للوصول إلى أي طرف يصل إليه ،وصل رسول إلى جدتي وأعمومي ليلة العيد أن جدي أنقلب مع "دينة الشحن" من على جبال "أبها " وكسر بعض الفقرات العمودية وأصاب رأسه إصابة بالغة وأنه منذ شهرين يقبع في إحدى المستشفيات ولا يستطيع التحرك ابدًا، أنقلبت فرحة العيد إلى عزاء بسيط في القرية وارسلوا عمي البكر بعد محاولات كي يكون بجانبه ويعيده إلى وطنه وبيته ، ومعجزة من الإله لم يمت جدي وستطاع الخروج والعودة إلى المنزل لكنه كان على عكاز يمشي وكانت هذه قصة يترنمون بها أهل القرى كيف لهذا الحادث البشع من جبال شاهقة يخرج هذا الرجل منها حي يرزق، وبعد العلاجات الطبيعيه التي أخذها جدي بجانب جدتي عاد إلى قوته وأصر أن يكمل عمله كما تُرك. وبعدها توسع في هذا المجال وشترى أول شاحنة نقل وأدخل أعمومي لعدة دول أخرى وزوج الأول والثاني وعمّر المنزل وستقر تمامًا وسهل السبل لجميع أبنائه ، وبعدها أتوا الأحفاد وعاشوا معه الطفولة النبيلة وكنت ممن ينعم بهذي الطفولة بجانبه وكانت البداية من إختياره لإسمي "جُهينة " وثم الجلوس بجانبه أثناء تناول الطعام وأخذنا إلى السوق يوم الجمعة بسيارته "الشاص" وركوبنا صندوق السيارة وسماح لنا بالوقوف أثناء قيادته كي نعاكس الرياح وينثر شعرنا وكان هذا ما يغيض أبناء عمي وهم يركبون جانبنا لكننا في حضرة جدي لا أحد له سلطة علينا كنا نفعل ما نحب لا كما يجب، ويخيرنا أثناء وصولنا إلى وسط السوق بين حبة بيض أو حبة خيار باردة كانت هذه الإختيارات الأمتع الذي حظيت بها طوال حياتي . وبالعودة إلى الحديث مع والدتي قلت لها : أمي هل تعلمين أني ما زلت أتذكر عندما كان يعود جدي من الغربة ونتجمع حوله طوال الليل نحكي معه ويقص علينا مغامرات السفر والأحداث الشيقة التي خاضها ويأخذنا الليل حتى شروق الشمس وكنا نغيب عن المدرسة ولا أحد يجبرنا على الذهاب وتعتلينا نشوة أن بنات الصف سيعرفن أن جدي أنا وبنات عمي حضر من الغربة وسيتخيلن الهدايا التي حصلنا عليها والعلو الذي سنحتفي به والقليل من الكبرياء الذي سيسود خطواتنا ، واكثر من ذالك مهمتنا الصباحية بعد عودته توزيع المانجو على بيوت القرى أو العنب الذي يحضرهم معه بكميات تكفي عدة قرى ، وإمتنان الآخرين لهذا الكرم ، لقد صنع جدي مكاننا في أعين الناس وحتى الآن ونحن خمسين حفيد ما زلنا نستمد من هذي السمعة الطيبة، وقطع حديثي أنا وأمي صوت وشوشة من الداخل فعرفت أن جدي قد استيقظ أسرعت مهرولة ووجدته واقف في منتصف المنزل عرفت أنه يبحث عن الحمام ، الحمام الذي أدله عليه في اليوم عشر مرات لأنه ينسى أين موقعه رغم أنه يبعد عن فراشه خمسة أمتار ، وأنتظره أمام عتبة الباب خوفًا من يخل توازنه ويسقط ، هذا ما أصبح عليه جدي الآن لقد أُصيب "بتلف في مناطق الدماغ" منذ عامين وليس الزهايمر كما أخبرني الطبيب وهذا يختلف كثيرًا ، وحقيقة مفاجأة زيارته كانت رائعة لقد أتى في بداية شهر رمضان وأخبرني والدي أني سأتكفل في رعايته فكان هذا الأمر حبل نجاة لي صحيح أني كنت في بداية الأمر ما زلت منصدمة برغم معرفتي لما به منذ زيارتي للوطن العام الفائت ، لكن التعمق في الأمر زاد حدة الصدمة ، أبكي أحيانًا دون أن يشعر وانا أساعده بإرتداء ثيابه كطفل واحكي معه بل أحاول أن أقول أي شيء كي لا يألف الصمت ، واشاركه الطعام كي لا يشعر بالوحدة، سرعة ما أصبح هذا روتينًا مليئًا برضى وشعرت انه حان الوقت لأعتني بعمود هذي العائلة وأنا ممتنة ، وكان حظًا طيبًا ان اكون أنا من بين الأحفاد جميعهم أقضي الأيام هذه بجواره ، ولقد تغيرت فيني منذ مجيئهُ كل الفواجع التي تخص الدنيا ورافقني التأمل في كل ثانيه وستأنست لحديثه المكرر وسؤاله الف مرة عن اسمي ومن أكون ؟ وكثيرًا إن غلبنا الصمت يلتفت لي ويسألني بهمسٍ أين أنا يا ابنتي ؟ اني اشعر بضياع ، واروح ضاحكة وأرد عليه بسؤال أنت أين ترغب أن تكون ؟ يرد في وطني ، فأقول له أنت الآن فعلًا في وطنك وهذا بيتك وانا ابنتك فيسكت قليلًا وينظر إلى السقف وإلى أمتعته ويتحسس يده ويحدق بعينيه في وجهي وأعرف انه يشعر أني كاذبة لأن في عقله ليس هناك ما يدفعه ليصدقني فهو لم يعد يعرفني فأنا مجرد فتاة قد تبخرت من ذاكرته ، ويعيد قائل أنا أعتذر إن سببت لكم إزعاجًا فأنا أولادي سيأتون صباحًا لأخذي فأرد عليه نعم نعم وقد حدثوني قبل قليل أنهم في طريقهم إليك ، فأتنحى جانبًا وأتنهد لهذا السفر الذي تعلق به جدي ويشعر أنه دائمًا في بيت الغرباء ليرتاح يومًا من وعثاء سفرٍ ما (وكثيرًا ما اسمع أبي يبكي في غرفته فأتقمص دور الرصينة وأخبره أن جدي صلى كل فروضه ولم ينسى ذكرًا ويتحرك ويأكل بيده ماذا يريد أكثر من ذالك إنه بعافية تامة طالما أنه يضحك ويسمع وينظر ويتكلم ويتحرك ولا يعاني من ألمًا جسديًا يلزمه مكانه ولم ينسى عهد خالقه ويجب علينا ألا نعترض لما قدره الله لنا في هذي الحياة الزائلة، ) أحيانًا يحوط يده على كتفي ويقول لدي نصائح لكِ ويجب عليك الإلتزام بها "أكملي حياتك بصدق والأمانة والإخلاص وان ترغبي بتوفيق في حياتك عليك بصلاة وبر الوالدين ويكرر يا ابنتي فأشعر أن سر خروجي من ضيق الدنيا بيدي وأقبل يده وأقول له ماذا بعد أخبرني ياجدي ؟ ، ويعود كل يوم لنفس الحكاية رغم اني حفظت حتى الفارق الزمني بين الكلمات ، الفرق انه يحكيها وهو متيقن انها أول مرة وأنا استمع اليه بحكمة كأني أول مرة أعرفها ، ينام كثيرًا لأنه ينسى أنه استيقظ منذ خمس دقائق، ينسى أنني من جالسته منذ دقيقتين فإذا بعدت عنه دقائق وعُد يخبرني أنه من العيب أن أدخل بيوت الآخرين دون إذن منهم فأتجنب إخباره أنني لست ضيفةً بل صاحبة المنزل كي لا يحس أنه يُخدع ويصيبه الإحراج وأخلط هذا الكدر بأني أتيت عنوة كي اطمئن عليه لأنه جاري، فيسلم علي ويجلسني وأحكي معه ويبدأ بسرد تلك النصائح أو قصة حدثت معه منذ زمن وأستمع إليه وتغرق عيني بدمع فألتفت جانبًا كي لا يشعر ، واتسائل حول مهيئة الإنسان كم ما أن بني آدم ضعيفًا أمام خلل بسيط يصيب عظمة الله فيه وكم أن جلاء الله في هذا الكائن لا مثيل لها، وأنظر إلى حبيبي جدي وأبكي ثانية لأني أستطيع تحسس شعوره بالوحدة والخوف والضياع من هذا الحائط والناس الغرباء الذين يتجولون في عقله وحوله وكيف لا يألف أحد ولا يتذكر واحدًا منا وكلنا حوله في كل دقيقة تداهمنا الذكريات معه ، وأعود لداخلي وأتأمل اكثر وأبتسم رضًا انه في نعمة النسيان لقد نسى معاناته في الحياة ومرارته الطويلة فيها وعذاباته التي خاضها والهموم التي نحتت ظهره من أجل ابنائه الذين لم يعودون في حياته بينما هو في حياتهم جميعًا ، أبنائه وأحفادهُ الذين يبحث عنهم كل يوم وهم يقفون أمامه يجيبون على موضعهم في حياته ولا يعرفهم. تجرجرني هذهِ اللحظات إلى زوارق حياتي وأنا أنظر إليه وهو نائم، وأرتل علي الوداعات التي مضغتها ومضغتني ولا تسعني الذاكرة للإحتفاظ بلذتها أو سكرتها، وأتسائل هل الحياة تمضي من خلالي أم أنا من يمضي من خلالها فأُجبر على توديع القاعدين والمارين ،الراحلين بأجساديهم والباقين بها، وأحصي مُذ عرفتني التفاتات النظرة الأخيرة لكل شيء بادئةً من تربة وقعت عليها فلم القي بها حتفي وحتى أوجه أسميتني وغدوت أمامها بلا اسم يذكر ولا ذكرى تعيد صاعقة الألفة التي بيننا وأنا أقف أمامه ، وأعيد شاعرية اللحظة لموقعها وأنا أعيش المعنى لما قاله محمود الدرويش "تُنسى كأنك لم تكن ، تُنسى كمصرع طائرٍ ككنيسة مهجورة تُنسى ، كحبٍ عابرٍ وكوردةٍ في الليل تُنسى"


الكاتب: جهينة
0المفضلة
180 المشاهدات
0 تعليقات