الاب والابن .. الابتعاد والعودة
May 24, 2024 02:10 AM May 24, 2024 02:10 AM
الاب والابن .. الفراق والعودة قصة اجتماعية تتكرر كثيرا، مثلت في فيلم (سواق الأتوبيس) انتج عام 1982م بمصر، كتبه بشير الديك. فكرة الفيلم تدور حول الاتي [اب تاجر قوي جدا (عماد حمدي) يملك ورشة نجارة كبيرة، يختلف مع ابنه حسن (نور الشريف) بسبب احد عماله (حسن مصطفى) الذي وشى بين الاب وابنه. ليختلي بالاب والورشة ويخون الامانة، بينما الابن الذي من المفترض ان يبقى مع والده، يذهب تحت عنوان الكرامة والرجولة لبناء مستقبله، ويعاني كثيرا في سبيل ذلك. ثم يسمع بخبر مرض والده وحدوث مشاكل مالية له، ويعود لتهتز مشاعره بكلمة من ابيه عندما قال: (الجمل برك) كناية على انه خارت قواه، والمرض والمشاكل هدوا حيله. "الجمل برك" يكون لكمالها ان السكاكين تكاثرت عليه، فيتعهد له ابنه ان يكون خادما مطيعا له، ثم يكتمل الفيلم بمحاولات من الابن لانقاذ ما يمكن انقاذه، لكن تنتهي الاحداث بموت الاب]. القصة مثلت بشكل جيد جدا، والاحاسيس والمشاعر كانت صادقة الى حد كبير نظرا لاختيار المخرج عاطف الطيب، لممثلين كبار (نور الشريف وعماد حمدي) ادائهم لادوارهم كان حقيقيا. كذلك استخدم الموسيقي كمال بكير، بعض المقاطع الموسيقية كعامل مساعد بشكل جيد ونجح في الموائمة بينها وبين المشاعر. (مع التحفظ، كون الموسيقى حلال او حرام، فليس هذا موضوعنا). فكرة القصة اعلاه هي الدافع لكتابة هذا المقال، فهي من الحوادث المكررة التي سمعت وشاهدت مثلها الكثير، ولرواج الفيلم وشهرته، اتخذته مدخلا لما اود طرحه لاني اشك ان القصة من خيال المؤلف، وارجح انه سمع بها واعجبته وكتبها، وهو بذلك ليس ببعيد عن بعض كبار الروائيين وقد لمح احدهم ان ما يكتبونه ما هو إلا انعكاس لواقع مجتمعاتهم، ويعتمدون على ما نُقل اليهم او شاهدوه باعينهم. على راسهم الروائي المصري نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل، الذي نقل الواقع في بعض رواياته وغير الاسماء والاماكن ثم اضاف افكاره بين السطور في جمل بسيطة، دون ان يُحدث تغيير في هيكل الرواية، منها قصته الشهيرة (بين القصرين) التي دارت احداثها الاصلية لرجل تاجر في احد احياء القاهرة، كان متجره يقع امام المقهى الذي اتخذه نجيب محفوظ، مجلسا له لينقل لنا وللعالم نبض الحارة المصرية. "بين القصرين تحولت الى فيلم سينمائي فيما بعد" قصة المؤلف وبما انها مكررة، فهي اذا تدخل تحت نطاق المسمى (ظاهرة اجتماعية) تتجسد على ارض الواقع في اماكن عدة بذات التفاصيل تقريبا مع اختلاف بسيط غير جوهري. وتعتبر من غرائب الامور التي سبق وان اشرت الى بعضها، ومنها ما صدر في كتاب (الرجل البارز شبيه والدته)، حيث لا يمكن للرجل العادي ان يحكم على نتائجها إلا في نهاية المطاف، هذا ان طال به العمر، لان الاحداث تاخذ وقتا طويلا لتنتهي كما هو مقدر لها. لكن علم الاجتماع والذي من صلب اهتماماته تحليل الاحداث وظواهرها وربطها بالنتائج، يقول ان التاريخ يمكن ان يكرر نفسه اذا ظهرت علامات او ظواهر اجتماعية معينة مرتبطة بكل حدث، وان الانسان اذا استطاع ان يتدبرها ويفحصها جيدا، يمكنه ان يتوقع النتائج المتشابهة ولا يجزم، لان العلم عند الله عز وجل اولا وآخرا. اما كيف نتوقع؟! فالجواب ان مؤسس العلم (ابن خلدون) بعد الانتهاء من تأليف كتابه التاريخي المسمى (العبر وديوان المبتدأ والخبر) الذي صدر في عدة مجلدات، درس فيها احوال الممالك والدول، ختم ذلك بكتابة مقدمته، واكتشف فيها القوانين الاجتماعية لكيفية سير الاحداث ونهايتها. هذه المقدمة اشتهرت اكثر من كتابه التاريخي، لانه وضع فيها لب علمه وتجربته، ولاهميتها اشار احد مترجميها الاوروبيين اثناء فترة الاستعمار للدول العربية، بسحب نسخها من المكتبات لما تحتويه من جواهر العلم الذي لا يجب ان يطاله العرب". نعود للقصة المكررة، كانت اول اشارة قبل سنوات، اسمعني اياها رجل من اهل تهامة السراة "العوامر وما حولها" (وهم قوم كرماء حكماء)، ففي حديث جرى بيني وبينه عن العادات والتقاليد والاعراف قال: (عندنا عرف ان الولد المشاكس، في نهاية الامر هو من يحمل ابوه)، قلت: كيف تجزمون؟!. قال: بالتجربة والتكرار ونقلوها لنا الاباء، لان غالبا الاب قوي والذئب ولده ذئب مثله، ان طاش به الوقت، يعود الى كنف ابيه مرة اخرى، وسماته الجيدة لا يمكن ان تغيرها الظروف الصعبة. استحضرت قوله، ووجدت ان المسألة بسيطة عند تحليلها اجتماعيا، اب قوي جدا وعصبي ورجل عمل، ام ضعيفة مستكينة، ابن يقف بجوار والدته ويسندها، الاب لا يعجبه الحال ولا يحب ان يرى الضعف. يستغل بعض المستفيدين الظرف، ويصبون الزيت فوق النار ... تحدث الفرقة. لكن الود يبقى في القلوب ويظهر عمليا فور ان يقع الاب في مشكلة صحية او عملية، عندها يعود الابن لابيه سامعا مطيعا وقويا في نفس الوقت، نتيجة صعوبة الحياة التي عاشها بعيدا عن والده، فيكون سنده المخلص. اذا هذه الحالة تتكرر تحت شعار التاريخ يعيد نفسه وباسلوب مختلف، وكل قصة لها تفاصيلها .. لكن جوهرها وبداياتها ونهاياتها واحدة. حول هذه الفكرة القدرية يتحدث المقال. انتهى والله الموفق عبدالله بن علي ابو حنش الدمام - ١٣ ذو القعدة ١٤٤٥ هجري


الكاتب: عبدالله المغرم
0المفضلة
44 المشاهدات
0 تعليقات