بين أحوال الإنسان..
May 25, 2024 06:53 PM May 25, 2024 06:53 PM
الاضطراب؛ الخمول؛ الطمأنينة. قلت، لعلَّ الحياةَ الطويلة في ظلٍ واحد من أشكال العيش تخلقُ في النفسِ قصوراً واختلالاً وإنكاراً لِـما يُعاينه الناس في حالاتهم المختلفةِ عمّا يُعاينه هذا المحدود في ظلٍّ يتيم؛ كذلك التحوُّلُ السريع بين حالات النفس وأشكال العيش، تُولِّدُ ذات الخلل في النفس، وعلَّها تولِّد ما هو شدُّ مِن ذلك، لأن الأول مُعاينٌ لحالٍ فيستطيع تمييزها عن غيرها فهو مضطربٌ: عدى أنه مطرِّدٌ في اضطرابه، والآخر مضطربٌ أصلاً، وما يكاد يدرك الاستقرار.. ولو كان استقراراً على صورةٍ مضطربة، ويجلى للناظرِ أنَّ خروج المرء مِن عللِ الاضطراب تلك ما يكون إلا بالمعاينة الطويلة للأحوال الأم الثلاثة للإنسان: الاضطراب: الخمول: الطمأنينة. وعلَّ الاضطراب مولِّده مطلقُ الخوف، والخمول: مطلقُ الأمان، والطمأنينة: النتيجة للموازنة بينهما. وعلى ذلك انقسَمت نفوس الناسِ على مراتب، وما يستطيع النَفسيُّ أن يعاملهم إلا على درجاتٍ أساسها النشأةُ الأولى لهم؛ مُدمن الخوف على الدوام صريعٌ للقَلق، لا يتعرَّفُ الطمأنينة قط بالسماع ولا المشاهدة، لكن يُنتَزَعُ مِن التوتر والقلق ويُجعلُ في دائرةٍ سياجها الأمن وقوامها الطمأنينة، آنذاك تخلُق منه إنساناً غيرَ الأول؛ والآخر الخامل أصلُّهُ أنَّه امرئ ما يرى مِن دنياه إلا جَريها لنقطةِ البداية كلَّ مرة، ما يعرف القلق لأن العالمَ من حوله شديد البطء، أو سريع للحدِّ الذي يعود فيه للبداية دونما ملاحظةٍ مِن أحد، وما دواء هذا إلا داء الأول؛ ولا أستبعدُ انهيار الخاملِ أو خمول الخائف أولى فترات إعادةِ التكوين تلك، عدى أنَّ الكيَّ والتحريق لتصويب اتجاه الإنسان في حياته جائزٌ كلَّ الجواز، وتتبع سُنن الكونِ ترى أنها على هذا الحال، وترى أنَّ مُطمئني الصدر- باختلافِ التجارب: نتاجُ مزجٍ عنيف بين الخوف والأمان!


الكاتب: أنس بن مالك العداي
0المفضلة
52 المشاهدات
0 تعليقات