عبور(الزئير الأخير)ج١
Jun 1, 2024 02:33 PM Jun 1, 2024 02:33 PM
هواء هائج.. نشوة متقدة.. رجل يهوي.. إنه سقوط حر.. قبل اصطدامه بالأرض على بعد 750م، قام بفتح المظلة ليقع في جاذبية السماء مع الأرض، و يترنح في أحضان الرياح شارعا روحه على سواعد موت محتمل، و لكنه هبط سالما في شموخ الصقر، و تنهد من لسعة الأندرينالين في جسمه المرتعش، أخفى المظلة في حقيبته و استودعها ظهره المشدود تمتطيه بثبات، ثم انطلق يسبر أغوار الغابة الفتية، كان يعرف الطرق جيدا كما يعرف أصابع يده..تغلغل فيها يتتبع مرامه بين الأشجار، و يتحين فتحات الضوء فرصا يستغلها للعبور..جاس الطريق بشتى منحنياته حتى انبثق على فسحة من السهول، يتوسطها منزل هادئ المنظر..بسيط الشكل، عفوي البناء..مبني بمنطق الهندسة القروية للشام في زمن السلم و الحب.. له فناء رحب الأحضان، يطيب في العين منظر بستانه البهيج. ابتسم من خالص امتنان الشوق في نفسه، و أسرع إلى بيته السعيد، دخل ذائع السلام في أرجاء المكان، ليشفي غليل حنينه بارتداده إليه من جلسة الفناء، نظر إليها تفضح ضياء ثغرها في بسمة مشوقة، و أمعن النظر مغلوبا أن يرتد إليه الطرف، مفتونا للمرة الألف بمحاسن السمت فيه..لم تكن امرأة عادية كما يراها.. بل كانت امرأة من ظلال الجنة، تقف على مشارف الأبدية، كأن عشهقا لا يزول مهما تمادى به الزمن..بل لا ينتقص..بل لا يكف عن التزايد..تلك هي كما تعيش فيه..تلك هي زوجته، ركن إليها بقبلة تقدير على الجبهة المضيئة، و نقر أنفها ملاطفا و سألها عن أمه، فعلم انها تصلي الضحى فانتهى ينتظر عند رجليها إلى حيث تقوم، كطفل شاقته محاريب الأمومة، و ترك زوجته تستقبل بشاشة البستان في سكينتها المعتادة، تسرد في نفسها معطيات شوق مغبون بقلة الوصل، هذا زوحها يأخذ حلم السماء جام وقته، فلا تكاد تراه إلا سويعات حتى يعود لممارسة رياضته، و هو قد عاد من أمريكا مؤخرا بفكر لم تعهده و تستسغه، بل هي لا تصدق معقولية أن يكون قد استماله هذا الفكر..يدعو إلى السلم و التعايش، و يطالب باستخدام منطق الحوار في حق العموم..كأنه ليس زوجها الذي تعرف..غسلت بلاد الأنياب الجميلة عقله الجهادي..لا، لا يمكن أن تكون قد غسلته من فلسطينيته، ليس غبيا ليمحي في معسول قول يعض، للأمر سره. و ذلك أخوها منشغل بصيد الحرية في معابر الموت، و يغتال الراحة بالمثابرة المستمرة من أجل وطن ممتحن بالخذلان الأخوي..يد القريب لا تصله إلا بالسوء، و الغريب ينهش فيه بمخلب الحقد و الظلم، فليس لأبنائه إلا اتباع دواعي البر في الجهاد، و الاتكال المطلق على الله.. هي فخورة أن أخوها ممن نذروا حياتهم فداء لأرض تبلغوا منها العشق المستميت، و لكن حاجتها للوصل تفرض شوقها المستمر إليه. أما الأم فكانت تختم صلاتها بالسلام و الدعاء لتلتفت على طفلها الرجل..مسدت شعره في حنان فائض، بينما هو يستقي من وقارها بسمة بريئة، يجلس في حضرتها كقط مسرور، متصاغر في تواضعه من جلال هيبتها في قلبه، كانت منتهاه في الرضى إذ كانت تتمثل اسمها في شخصيته "سدرة" ، حدثت حيث لاتزال تربت على رأسه بسؤال يختلج نفسها المتوترة: "غادي ولدي، ما سرك؟" -أي سر يا يما؟ -سر انتقالك بنا إلى هنا، و ما سمعته من تغيير في شخصيتك.. يا ولدي، إنهم لو أخبروني أن رجال الدنيا على كثرة جمعهم قد استكانوا لأفكار التطبيع ما وزنتك فيهم خيارا، لأني موقنة أن شوكة الوطن فيك لن تنكسر.. فأخبرني بسرك.. - أي سر يا حبيبتي.. أنا فقط أدركت أن العنف خيار ضعيف.. أوليس السلم أمعن في التغيير.. - و هل ترانا إلا مسالمين يا غادي.. إنما أولاد هذه الأرض يتساقطون دونها لبلوغ السلم فيها..و لكننا نريد سلما لا هوانا - و لماذا نتساقط يا أمي.. ألا يجوز لنا سلم في المصافحة -صه..انكتم.. إياك أن تعيدها.. و تأكد يا ولدي أني لن أصدق ادعاءك هذا.. ولدي لن يمسح ندبة الوطن في قلبه، و لن يداوي جرحه بكذبة التطبيع.. افعل يا غادي ما شئت، ولن أسألك، و لكن لا تهدر بكلام سوء كهذا. سكت غادي و لم يقل شيئا.. لن يكسر لأمه كلمة ولا قلبا، سيدعها تعتقد ما تريد، قام من عندها و قبل يديها و رأسها و خرج إلى جوار زوجته، جلس بجانب "روح" يحاول محادثتها متسليا عن جرعة الثقل التي انتابته من غضبة أمه، و لكنها لم تنعم له بالتناسي، و أعادته بسؤالها المعاتب إلى حقل انزعاجه: "ماذا قالت لك خالتي؟" عرف أنه لن يجد مهربا من عنادها في التساؤل، فالتجأ لمابشرة الحديث، و قال مستلطفا عطفها: - إنها تعتب علي أني أنتحي السلم.. هل أصبح السلم شيئا يعاب به! - ألم تخبرك فطنتك أن رجلا يمتطي الريح ليعود إلى بيته لا يناسبه السلم أنهت جملتها و انتفضت من مكانها داخلة إلى المنزل، تاركة إياه في غياهب الضياع من نفسه، عالقا في نزعاتها المتشابكة..لماذا لا يتفهمونه حقا، هو ذهب إلى الخارج و أدرك حقيقة أوسع مما يدركونه، إن العداء ينبغي أن ينتهي بالتفاهم على أمر مشترك، و لكن أنى لهم أن يفهموا.. هو لازالا يحترم لهم رأيهم، لازال يفهم شعور الفقد لديهم..هو فقط يريد تغييرا بسيطا في الخطة..هو قرر أن يسقط سقوطا حرا. ***** هبت رياح من يمين الشجرة الكبيرة..سقطت تفاحة حمراء و أخذت تتدحرج إلى منتصف الشارع..التقطها شاب قبل أن تدهسها سيارة، كان شابا أبيض البشره، رفيع القامة، سمح الملامح، ذلك الشاب هو فادي، قام فادي بفرك التفاحة على ثيابه النظيفة و خطى الشارع، و بالكاد تخطاه حتى صرخت عجلات السيارة من ضغة الفرامل السريعة..خرج صاحب السيارة مغاضبا في شجار حاد، و ترك سيارته على الطريق، و توقفت خلفه سيارة أخرى و خلفها أخرى..اجتمع الناس في الشارع و ازدحم المكان..كان في السيارة الخامسة خلف سيارة الرجل رجلين، أخرج أحدهما رأسه يناظر الزحام، ثم عاد قليلا بالسيارة للخلف و دور المقود باتجاه اليسار، و غاص في شارع آخر، التحق بالطريق الرئيسي و استدار إلى اليمين و انطلق نحو أفق المغيب، سأله صديقه: "متى سنصل يا ناهض؟" • حين تتوقف عن التذمر يا عزام • تقصد أننا سنسير للأبد • هلا لزمت الصمت قليلا • حسنا..هلا لزمت أنت السرعة قليلا..سنتأخر عن الجماعة سكت ناهض و سرح في الأفق و هو يمسك المقود بيده اليمنى، و يستند بمرفقه الأيسر على نافذة السيارة و يضع سبابته على فهمه..زاد السرعة، نظر إليه عزام في سرحانه: "فيم تفكر" .. لم يجبه، بل تنهد مثقلا و تابع تفكيره.. • إنه غادي..صحيح التفت إليه قليلا و أجاب بفتور: • صحيح • إنه على وشك العبور، فعلام الحزن • أتمزح يا عزام.. • بل أحسد يا ناهض.. قالها عزام بخالص شوقه، ثم استند على مقعده و التفت نحو النافذة محدقا في الأفق، و قال بخفوت "متى سنعبر نحن أيضا يا ناهض؟" لم يجب ناهض..لم يلح عزام..و دخل الصمت جليسا ثالثا يتحدث لغة الأفكار..وتحدثت السيارة في أذن الريح لغة السرعة حتى خرجت من الحي..ثم من المدينة..ابتعدت..ابتعدت كثيرا، ترجلت عن الطريق نحو اليمين، و هامت في الأدغال بعيدا عن الأعين حتى وصلت وجهتها..نزل الإثنين و افترقا..ركب عزام مكان ناهض و عاد بالسيارة، و توغل ناهض أكثر في المكان حتى التحق بفرقة النسور، إنها فرقة كونتها القيادة خصيصا لمهمة السقوط الحر.. الفرقة التي جمعها حلم غادي المجنون، فرقة متخصصة بعبور السماء و القنص من هناك، حيث أحضان الهواء لا تبتعث سكونا أبدا..كانوا تسعة و تسعون مقاتل في مقتبل الجنون، يحتويهم عمر ال٢٠٠٠ مقسما عليهم جميعا، ما عرفوا للدنيا قط طعم انكسار إلا أوان سجود أو ركوع، شبت نفوسهم عالية المطالب، متعالية على فكرة الخنوع، و أجسادهم قد نبتت بين الصخر و النار مستجيبة لمطلب الحرية و السلام المنتزع، انضم إليهم ناهض و هم يجلسون معا في شكل مجموعات تشترك كل واحدة منها أطراف حديث مختلف عن الأخريات، أمضوا بذلك وقتا يتسامرون في شتات منظم إلى أن وقف رامي ينشد في المجموعة التي بها ناهض، امتدت الأعناق..أطرقت القلوب..تاقت الأفئدة.. رامي؛ بلبل الفريق..فتى من أصول جزائرية أتى جده إلى فلسطين عقب تحرر بلده ليواصل الكفاح ضد عدوان اليهود، أتى طالبا للشهادة في بلد كما اعتقد هو الوحيد المتبقي من جذور الجهاد الحق.. قاتل جده عبد الصمد في صفوف الجزائريين الأول ضد الفرنسيين، حاملا حلم الحرية في قلبه المفطور على معانيها، و لكن الحرية عنده لم تكن مقتصرة على بلده، لأن نفسه المطبوعة بشوقها الدائم إلى زمن العز الإسلامي، كانت تتوق باستمرار إلى تحرير العالم كله من سطوة الطغاة، و حين انتهت تلك الحرب بين الجزائر و فرنسا شعر ببعض المقت أنها انتهت على شروط المستعمر نفسه، ضاقت به نفسه، و زاده المقت جرعة بما يسمع من أخبار اليهود المتطاولين إلى أراض إسلامية مقدسة، فلم يلبث كثيرا أن ذهب ليلتحق بكتائب الجهاديين هناك، تزوج في فلسطين و أنجب فاضل، ابنه السائر على درب الشرف المختوم بعزة الشهادة، و ها هو حفيده رامي يرث حب القومية الإسلامية و ينتهج القتال سبيلا للسلام العزيز، حفيده النسر ذو الصوت البلبي، وقف البلبل يغني جروح أرضه و قضيته، وقف يشدو قصة فلسطينية علقت في القلوب و الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، وقف يشدو مَعْنيا بشخص تبخر في غيبيات الوجود، يقتص الجرح من الشوق المحمول على أكتاف الجميل، جميل أمة لفتى فلسطيني عاش نجارا يوماما، و حملته الشجاعة وصفا لها، و كان من ذوي الحياء الذين هم في غير شأن القبح، بل هو لم يكن في غير شأن واحد من الحب و الفكر..إنه حب الأرض..حب فلسطين، يحكى أن هذا الشاب كان فاره الطول، له عينين غارقتين في الكحل، و له شعر يعتنق مذهب السواد في لونه، كأن لهذا الفتى مع الليل قصة، كان محبوبا، مرغوبا، تريده الفتيات زوجا، و تريده الأمهات لفتياتهن، و هو يريد فلسطين فقط، يريدها أما و زوجة و أرضا.. عمل نجارا في بلد ليست أرض مولده، و لكنها قطعة من حبيبته، و كان يدخر أجره الذي يتقاضاه، و في يوم تراءت فيه الحقديات في قلوب اليهود الجبانه، تواروا فيه خلف البنادق و الدروع و هاجموا القطعة التي احتضنته، فاستشهد ثلاثة من شبانها، يحكى أنه اختفى ليومين و عاد بسر لم يطلع عليه أحد، و بعد فترة هوجمت البلدة مرة أخرى، فأخرج خمسة بنادق ووزعها و قام مع الرجال بهجوم مضاد، هذه الحركة ألهبت مكامن العزة في نفوس الناس، فابتاعت النساء حليهن و اشترى الرجال بثمنه السلاح، و لما تكررت الهجمة كان الرد عليها قويا، قاتل الفتى بضراوة مستميتة، و أنقذ الكثير من المصابين، و تلاشى..بحثت عنه الأعين كثيرا و تاقت إليه الأفئدة عقب هذه الحرب، و لكن لم يكن هناك.. لم يبق منه إلا ذكراه المحمودة، و الأغنية المتولدة من الفخر به و الشوق له، تلك الأغنية التي يشدو بها رامي فتلتف حوله كل الكتيبة في مجموعة واحدة، شدا رامي بكل غزارة الشعور في صوته: يا ظريف الطول وقف توا اقولك رايح عالغربة وبلادك احسنلك خايف يا ظريف تروح وتتملك وتعاشر الغير وتنساني انا” احنا اتفرقنا وعالله الرجوع والمفرق والمجمع ربنا يا ظريف الطول مالي ومالكم وابتليته بالهوى وش حالكم وان كان عشرة غيرنا طابت ليكم خبرونا تندبر حالنا يا ظريف الطول وقف توا اقولك رايح عالغربة وبلادك احسنلك خايف يا ظريف تروح وتتملك وتعاشر الغير وتنساني انا لم تكتمل الأغنية في فمه إلا و الهيجان يصطرخ الجمع الطروب، و توالت سمرتهم حوله قبل أن يتأخر الليل فيتناهوا إلى مضاجهم في استعداد ليوم زاخر بالتدريبات. ***** القصة الكاملة.. https://www.facebook.com/share/p/tHAF62nCaQSNGuh3/?mibextid=oFDknk


الكاتب: مولاي أحمد
0المفضلة
35 المشاهدات
0 تعليقات