الحُلم
Jun 13, 2024 04:32 AM Jun 13, 2024 04:32 AM
الحُلم كان أحمد فلاحا بسيطاً ورجلا أمياً لم يخرج من قريته إلا نادرا ولا يتجاوز المركز التابع له إلا نادرا. يصحو مبكراً ليصطحب أبقاره إلى الحقل، حيث أعد لها مربطا يؤدي الغرض، ويشتغل في حراثة الأرض بقية يومه حتى يروح بها آخر النهار ليتناول العشاء ويستريح. لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى قريته بعد والمواصلات قليلة وحماره الصبور يكفيه التنقل بين القرى المجاورة وإلى المركز والسوق وبين الحين والحين يذهب ليشاهد التلفاز عند حمدي الذي اشتراه من ليبيا أوائل السبعينات ويعمل بالبطارية ويوضع في فناء واسع يجتمع حوله كل أبناء القرية ليشاهدوا المسلسل بقرش واحد لكل حلقة كان استثمارا مجديا لحمدي، وترفيها مناسبا لأبناء القرية على صغر حجمه الذي يساوي ١٤ بوصة، وبعد المسافة واختلاف الرؤس طولا وعرضا. كان على الواحد ان ينادي على فلان أن يزيح رأسه يمينا أو شمالا ليرى واذا تحرك هو شمالا او يمينا ناداه من خلفه ان يرجع كما كان وهكذا… كانت حياة بسيطة وجميلة على بساطتها وكانت البطارية تنفد دائما في الحلقة الأخيرة أو المثيرة. فكان أبناء القرية يتخيلون الأحداث ويقصونها حتى أن بعضهم يصدق نفسه ويقول حدثني فلان أنه شاهد الحلقة في الإمارات او السعودية او غيرها من البلاد التي اعتاد المصريون السفر اليها طلبا للرزق كان أحمد واسع الخيال كثير الآمال والأحلام يحب التباهي والتظاهر أمام أبناء القرية وكان يزعجه أن يسأل جاره عن الساعة حيث كان يمد جاره يده في جيب الصديري ويخرج ساعة جيب عتيقة مربوطة بسلسلة فضية اللون ويفتح الغطاء وينظر للساعة ويقول له قبل أن يخبره عن الساعة هل تعرف هذه الساعة يا أحمد ؟ إنها ماركة الترام ! قد مات أبوك وهو يحلم أن يكون عنده ساعة مثلها ! ويقهقه قبل أن يخبره بالوقت. يمشي أحمد طريقه مغتاظا وهو يحلم باليوم الذي يشتري فيه ساعة أحسن من ساعة أبي عويضة الذي لا ينفك يؤنبه ويعيره بأنه لا يمكن أن يقتني مثل ساعته تلك ويقول له إنها ساعة الأعيان والكبراء. انطلق أحمد إلى المحافظة في أحد الأيام لبعض شأنه مستقلا القطار، وعندما وصل المحطة مشى في نفق تحت السكك الحديدية مزدحمٍ بالباعة والمشترين والمارة من كل حدب وصوب. سمع مناديا يبيع ساعة فخمة ذاتية العمل تلبس في اليد ولها ألوان جميلة وجذابة، وتراءى له أبو عويضة وهو يقول له: هذه ساعة لم تلبس أنت ولا أبوك مثلها قط. ولعبت الفكرة في رأسه وحلم بالساعة في يده بألوانها البراقة الجميلة وقارنها بساعة أبي عويضة فقرر يشتريها وأقدم وأحجم وسأل عن سعرها وكيف تعمل؟ كان البائع حاذقا مفوها لبقا فألبسه الساعة وأخبره كيف يعرف الوقت وكيف يضبطه فبرقت عينا أحمد وتمنى ألا يخلع الساعة أبدا من يده، ولكنه لا يملك إلا جنيهين اثنين فقط والبائع يريد جنيهين ونصف قال أحمد: أنا مستعد أشتريها وأرجع من طريقي بها فقط ولكن ليس معي إلا جنيهين فقط قال البائع فتش في جيبك انها ساعة ثمينة قيمة قيمتها خمس جنيهات ولكن الظروف أجبرتني على بيعها قال أحمد: ليس معي إلا جنيهين فقط وتذكرة عودة للبلد وسمع صوت صافرة القطار فقال للبائع إن بعتني بجنيهين هما كل ما أملك أدركت القطار وعدت فيه فقال البائع إنك رجل طيب وسوف أبيعك إياها لما لمسته فيك من طيبة وبسرعة أخذها ولفّها له في ورقة ثم في أخرى ودسها في يده محذرا إياه من اللصوص وألا يفتحها في الزحام وقال سأصطحبك للقطار ولكن ضعها في جيبك وأمسكها جيدا ولا تخرجها لكي لا تسرق فاللصوص هنا كثير ويتربصون بالطيبين أمثالك صعد أحمد على الرصيف فاذا بالقطار يشرع في الانطلاق فركب وسلم على البائع ووقف البائع يلوح له بكلتا يديه ويصيح مع السلامة يا أحمد ألف مبروك الله يبارك لك وأحمد تتهلل أساريره فرحا بالصفقة الموفقة ويلوح بيديه للبائع ويرد: الله يسلمك الله يبارك فيك ألف شكر ، ويحلم باللحظة التي يقابل فيها أبا عويضة والساعة تبرق في يده. فارق القطار المحطة مسرعا، وجلس أحمد ممسكا بالساعة وهي في جيبه يتحسسها بين الحين والآخر فرحا مسرورا حتى اطمأن أن القطار منطلق بسرعة وليس فيه ما يريب ولا من يرتاب فيه والكراسي حوله خاليه، فدس يده وأخرج الساعة ليلبسها ويتأملها في يده فأخرجها وفك عنها لفافة ثم لفافة أخرى ثم ثالثة فإذا به حجر في حجم الساعة لف جيدا لا يدري متى ولا كيف! ذرفت عيناه بالدموع وهو يقلب الحجر في يديه ويردد الساعة! الساعة! وهو يرجع خائبا من سفره خاليا من حلمه الذي راوده طويلا وهو يتساءل كيف لف البائع له الساعة أمام عينيه ودسها في يده وهو ينظر حذرا من أن يخدعه. في المساء كانت القرية كلها تضحك من رواية أحمد عن الساعة التي اشتراها وكيف صارت وكيف لفها البائع له لفا محكما وكيف أمسك الحجر في جيبه وهو يخاف عليه السرقة، وكثر الحديث حتى أصبح أهل القرية يسمونه أحمد أبو حجر ، وأبو عويضة كلما قابله سخر منه وقال الحجر بكم جنيه؟


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
75 المشاهدات
0 تعليقات