• أهلًا وسهلًا

    " أهلًا وسهلًا " ---- زارني بالأمس, "عبدالله بن المقفّع" . هو قال ذلك, لكني لم أقتنع, طالبته بإثبات صدق كلامه, قلت له: لا تؤاخذني, فقد رأيت في حياتي ما لا يُعقل, قابلت من المواقف والأحداث ما يخرج عن حدود المنطق! هزّ رأسه في أسى كأنما يؤمّن على كلامي, بصمت أخرج بطاقة رقمه القومي المدوّن بها اسمه كاملًا ,رقمه, محل إقامته. نظرت طويلًا في البطاقة لأستوثق من بياناتها, قارنت الصورة المطبوعة فيها مع شكل الواقف أمامي, وأظنه على أعتاب كهولته ,الملامح قريبة إلى حد ما, على رغم رداءة التصوير المعروفة. غير أن الشك لا يزال يلفّني, ما دعاني صراحة لمواجهته, قلت: لعلّك زوّرت هذه البطاقة وما أسهل أن يفعل المرء ذلك بخاصة مع تطور التقنيات الحديثة, وما أكثر الآن من يحملون بطاقات هوّية مزيفة. امتقع وجه الرجل من وقع كلماتي المؤلمة, كأنما كان يتوقع شكّي, إذ أسرع وشقّ قميصه عن صدره الممتلئ بجروح شفيت بعضها, بينما ظل معظمها يحمل ندوبًا غائرة, دليل تعذيب رهيب عانى منه . ثم أدار ظهره العاري إليّ وقع بصري على آثار لعشرات من ضربات سياط, موزّعة بشكل هندسي في خطوط متوازية طوليًا وعرْضيًا, تتقاطع مع بعضها في نقاط كثيرة. وقفت أمامها منبهرًا من قدرة جلّاديه على إتقان عملهم بمهارة هكذا! مرّت ثلاث دقائق وأنا أتفحص جراحه, أتحسس الغائر منها بأناملي فبعضها بدا كأخدود عميق يصعب الوصول لقاعه. انتبهت إلى سوء تصرفي, قلت: أعتذر إليك, فكل ليلة يأتيني من يخبرني أنه فلان أو علان, وما أكثر العسس الذين يتخفّون وراء قامات عظيمة مثلك, رحّبت به, قلت: حللت أهلًا, ثم سألته: عُذرًا, لكن ما سبب زيارتك لي, وفي مثل هذا الوقت ؟ -مطّ شفتيه, رفع كتفيه لأعلى وقارب بينهما حتى كادت رأسه تغطس بين كتفيه, قال: كنت في الجوار, لقد سمعت عنك من قبل وأردت رؤيتك والاطمئنان عليك. -قلت: رؤيتي فقط؟ -فأجابني بتواضع: فقط. ثم انقطع حبل الكلام بينا فترة ونحن ننظر إلى بعضنا, أنهاها بقوله: هلّا ترّد إليّ بطاقة رقمي القومي, لو سمحت؟! فاعتذرت للمرة الثانية ومددت يدي إليه بحاجته, فأخذها, وانصرف غير أنني تذكّرت أمرًا, فصحت به قبل أن يغيب عن نظري, قلت: اعلم يا عبد الله, أن تاريخ صلاحيتها يوشك أن ينتهي, لن يُسمح لك بعدها بالمرور من عالم الأحياء حيث تحيا إلى عالم الأموات حيث نعيش هنا.

    الكاتب: محمود حمدون

    0المفضلة

    29 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    story 

التعليقات (0)

المزيد من محمود حمدون

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • أهلًا وسهلًا