• رحلة العمر….إلى أين؟

    وصلنا لعصر نعيش مع بشر يطربون للنشاز من الأصوات و يملون من أم كلثوم و يحبون على طريقة المهرجانات وبنت الجيران ويسخرون من عواطف عبد الحليم و من قارئة الفنجان ويشمئزون من هدوء نجاة إذا ما قارنوه بنشاط و رشاقة فلانة على المسرح، وينفرون من نعومة شاديا إذا ما قورنت بعلانة ويسخرون من جمال نجمات الزمن الماضي لتنتصر عليهن فلانة الأخرى بسماجتها وتصنعها و بلاستيكيتها، فيسخرون قائلين أين الجمال؟ انظروا لأنوفهن الطويلة وشفاههن الرقيقة وتصفيف شعورهن، مقارنة مجنونة تصيبها بالصدمة نعم فقد أصبح هذا الجيل يأنف من كل ما هو طبيعي، ولا يلق أحد بالمرأة وحدها في غياهب هذه التهمة، أو يعيب قلة عقلها أو يقول مجنونة، فهوس التجميل لوث عقل الرجال أيضا وكلنا نرى، وحاولت أن تقترب من عقولهم وتجاريهم ومن يدري قد تقوم بعملية تجميل تشد فيها ترهل أفكارها أو تنفخ شفاه آرائها أو تشفط دهون معتقداتها التي تربت عليها وآمنت بها، فهي في عصر تشعر أنها ما عادت تشبهه وفي زمن لم يعد لها ، فصلة الأرحام أصبح لها حدود والزيارات الخفيفة الظريفة التي تكتفي بفنجان من القهوة وإبريق من الشاي وبعض المكسرات والكثير من الود والحب، أصبحت دون المستوى وكل يخجل منها ، فلا أحد اليوم يجرؤ أن يتصل بصديق أو قريب ليقول له اشتقت لك و أود أن ازورك لشرب بعض القهوة واحتساء الكثير من الضحك المغلف بالود الصادق ، فهذا تطفل وقلة ذوق، أصبحنا لاندخل بيوت بعضنا إلا بدعوات مكلفة ومتكلفة ترهق الداعي و المدعو نفسيا وماديا، فهي تكتنز الكثير من كل شيء كأصناف الطعام المتنوعة والضيافة المبالغ بها من أنواع الحلوى والمكسرات والمعجنات و الحلويات الرائجة (الترند) نعم نعم ففي هذه الأيام حتى الطعام والحلويات أصبح تنقسم إلى ترند وحلى الطيبين الذي انضم إلى قائمة الذكريات مع الصور و الأزياء التي تتغير من موسم لآخر، لن ننسى الأواني المبهرة والكؤوس البراقة وطرق التقديم المبتكرة كل شيء يتوافر بكثرة إلا الود والصفاء، فصاحب البيت يدعو البعض مجبرا تلافيا للمشاكل والعتب ووجع الرأس والمدعو يقبل لنفس الأسباب، وكما تغيرت العادات واختلفت الأفكار اختلفت القيم واللغة المتبعة بين الناس حيث أصبحت المثالية مقيته ومفتعلة ولا قيمة لها فلا أحد مثالي والسعي للمثالية مرهق للنفس ومتعب للفكر حقا من قال أن الإنسان يجب أن يكون مثالي ولماذا واصبح التمسك بالدين والاحتشام رجعية فكلما زاد الرقي قلت الملابس وهتك الستر، حتى بتنا نظن أن القردة سيدة النساء الراقيات وتغيرت المصطلحات لتغزونا مصطلحات همجية تفرض نفسها بقوة و تشكل وعي الناس والويل لمن خالف كمصطلح "تنمر" الذي أصبح مطاطا و فضفاضا بشكل أصبح يرعب كل صاحب كلمة أو رأي أو مبدأ ، عادت الجاهلية من جديد بثوب العنصرية لا بارك الله بها ، وتشدق الكثيرين بالحرية الشخصية متناسين الحكمة القائلة "حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين" مما أعطى تصريحا لكل من هب و دب ليخرج علينا بأفكار وطباع مقززة تأنفها النفس البشرية فأصبحنا نرى الشواذ في الشوارع بطريقة مستفزة دون خجل، فهذه حرية شخصية حتى أننا أصبحنا غير قادرين على التميز بين ذكر و أنثى، فالفتياة بشعور قصيرة التصقت برؤسهن وكأنها تغار عليها من التعري والذكور بشعور طويلة قد تستر ظهورهم وكأنها تجري خوفا من الاقتراب من رؤسهم الفارغة، وأصابتنا لوثة التصوير فأصبحنا نصور طعامنا نهتم بجمال اللقطة ونسينا تذوقه حارا طازجا من أجل الصورة، وصل الأمر إلى أنك تمشي في الشارع وترا طوابير لا متناهية من السيارت تقف بالانتظار وكأنها تقف طلبا لترياق الحياة، وكل هذا من أجل الحصول على فنجان من القهوة اسمها وحده يحتاج لذاكرة منفصلة وكل هذا العناء لتصوير هذا الكوب الكرتوني الأخرق و لماذا؟ ليرانا الناس على لعنة التواصل الاجتماعي فنرسخ رقينا في أذهانهم فنحن نشرب قهوة كذا إذا نحن متحضرين ومتطورين، والحقيقة أن عقلها القاصر عجز عن التوصل إلى الرابط العجيب بين الرقي و القهوة و هي موقنة بأن حتى فقرة الرابط العجيب التي كانت تقدم على قناة سبيس تون تعجز عن التوصل لهذا الرابط ، بصراحة وبغض النظر عن أنها من أنصار الشاي وليست من مريدي القهوة هي تحمد الله حمد كثيرا أن الشوارع هذه الأيام خلت من تلك الطوابير، الحقيقة أن هذا ما يحدث عند غياب القدوة وهيمنة التطور التكنولوجي بشكل مقيت فكلٌ-إلا من رحم ربي - ترك دوره ، المعلم تخلى عن دوره كقدوة ومربي و أب ليكتفي بأن يكون تاجرا بضاعته كلمات رصفت بين دفتي كتاب يذكرها كالببغاء على مسامع طلابه دون أدنى مجهود ليوصل معنى أو قيمة ففقد قيمته و تقديره كمعلم، و الأب تخلى عن دوره كرب بيت وقائد واكتفى بأن يكون جهاز صراف آلي يلفظ الأموال كلما ضغط أحد أفراد عائلته على الأزرار و الحجة أنه يكد ويتعب كي يوفر لهم كل متطلبات الحياة فلا يشعرون أن أحد أفضل منهم وهذه بحد ذاتها وجهة نظر كارثية انشغلوا بالبناء لهم ونسوا أن يبنوهم و الأم أبحرت في بحر لجي بحثا عن حرية مزعومة و حقوق مأفونة فخرج لنا مصطلح جديد ألا وهو النسوية التي تسعى لتشويه القيم و المباديء سعيا للاستقلال و نيل الحرية فأصبحت المرأة تردد ببلاهة "الاستقلال التام أو الموت الزؤام" و السؤال هو الاستقلال عن من؟ وتجدها تحارب زوجها و أخاها وعمها و حتى أبيها لتقع تحت رحمة مديرها و رئيسها ومدير مديرها، عجبت لك يازمن في ظل كل هذه الفوضى و الإزدحام وقفت تنظرحولها وتسأل وماذا بعد؟ كبر أبناؤها وانتهى عصر أحلامها وانطفأت جذوة الشباب و خفتت شعلة الحماس، و لكن مهلا من قال هذا ؟ قد يكون هذا وقتها وقت تحقيق الأحلام و الاستفاقة من هذا المنام فأخذت دبلوم في تقنية المكاتب و السكرتارية و حصلت على شهادة IC3 الدولية في مباديء الحاسب ولكنها لم تكتفِ، وحاولت العودة للجامعة لتكمل دراستها ولكن ما من جامعة تقبل بطالبة بعد انتهائها من الثانوية ب بثمانية عشر عاما، ليأت كالحلم المغفور له الملك عبد الله طيب الله ثراها ليمنحها الفرصة الحقيقة حيث أمر بافتتاح الجامعة السعودية الإلكترونية و كأنها تخاطبها بالاسم، فتلك الجامعة عند نشأتها كانت تحتضن من فاتهم قطار العلم، و الحقيقة أنها خافت وتسأءلت هل ستنجح بعد هذا الانقطاع وبلوغها هذا العمر فالأربعين تقف على الباب و تخرج لها لسانها، لتؤكد أن العمر يمضي، وهنا عادت تلك المتمردة التي حبستها داخلها سنين لتقول لها مازال القلب ينبض والعقل يفكر و الأقدام تسير فالعمر مجرد رقم و ماذا يعني أربعين فالأربعين عشريناً ثانية، وبإرادتها وبدعم من زوجها وسعي منه وتشجيع من أبنائها دخلت الجامعة كطائر يرفرف بجناحيه سعادة و تفاؤل وكانت في الجامعة مع أبنائها وتخرجت بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف الثانية، لتبدأ مسيرتها العملية وحاولت البحث عن وظيفة ولكن لم توفق ولسان حالها يقول لعله خيرا، فالتفتت للعمل بشهادتها فقد درست الترجمة وترجمت رواية و ألفت أخرى وأخذت تنشر مقالاتها في جرائد و مواقع إلكترونية عدة وهاهي اليوم أمامكم ما زالت تتعلم و تسعى فهي مؤمنة حقا أن العمر مجرد رقم لا يعيق تحقيق الأحلام فالعجز عجز الروح و الهرم هرم العقل وطلما هما شابان فلا مستحيل. و أخيرا تأكد أنك دوما البطل في مكان ما وضيف شرف في مكان آخر و كمبارس في مكان ثالث، فعليك أن تختار أنت أين تكون و مالدور الذي ستلعبه. بقلم ناهد الرطروط الجزء الثاني

    الكاتب: ناهد رطروط

    0المفضلة

    52 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من ناهد رطروط

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • رحلة العمر….إلى أين؟

    المزيد من ناهد رطروط

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة