• المكتبة ودهشة الأطفال

    إن تجربة الحوار مع الطفل تجعل المرء يشعر بجمال الحياة فلا تعقيد ولا حدود للأفكار ولا للخيال.. من يدخل هذا العالم سيشعر بأوليَّة الحياة وغضاضتها فهو سرُّ الأشياء المبكرة، ذلك الشعور المطبوع برائحته وألوانه وكلماته لا يمَّحي من الذاكرة. من يريد حقاً أن يتلذذ بمعنى الحياة فليتحاور مع طفلٍ يحب قراءة القصص ويستمتع بروايتها، هذا التصور كان مختصر التجربة مع مكتبة وتن في ركن القراءة الجزء الذي خصص للقُرَّاء من فئة الأطفال.. حين تحدث (ر. ل. شتاين) عن أمنيته وقال: أريد أن أكتب على قبري» جَعَلَ الأطفال يقرأون « قلتُ في نفسي وأنا أيضاً أريد أن يُقال عني: «جعلتْ الأطفال يبدعون» فأردتُ بالفعل من خلال هذه المشاركة أن أجعل الأطفال يبدعون ويفكرون ويتعاطفون مع الفن الإنساني المنثور في القصص المحكية للأطفال حيث جاء هذا الركن للقراءة الحرة لغرض جذب الأطفال من القُرَّاء والشغوفين بالمطالعة والبحث عن قصص وحكايات تجعلهم يتعايشون مع أحداثها ويفكرون فيها من خلال محاوراتنا اللطيفة أثناء الحكاية وبعدها.. يبحث الأطفال عادة عن قصص تجعلهم يفكرون ويحتارون ويندهشون، ولو رأيت طفلاً لا يندهش فأعلم أن محتوى القصة أقلُّ من نبوغه فلتفتش له عن قصص أخرى تأخذه حيث يريد، وإياك أن تتجاوز طفلاً لا يندهش فذلك هو الطفل الذي يحتاجك أن تتحاور معه لتعرف ما يناسبه وليس ما يسليه! لذا كان ما قاله (شتاين) غاية سامية ستحرر إبداعات مئات الأطفال من قوقعة التهميش والتهكم من أفكارهم الطفولية، فالطفولة عالم مغري للاستكشاف، وإبراز مكامن الإبداع، وفك أسرار الغموض لكثير من تصرفات الأطفال وطريقة حلهم للمشكلات التي تعترضنا أثناء قراءة القصة والتفكير في تطور الأحداث وكأنهم يشاركون الكاتب في تغيير مسار القصة، بل ربما لو كتبت توقعاتهم لصارت بعض القصص أجمل مما هي عليه.. يحاول الأطفال أثناء القراءة إظهار تعاطفهم والبحث عن حلول تجعل الآخرين سعداء دون أن يبرروا للأشرار خطيئتهم وتلك هي أولوية الحياة لديهم فهم لم يدركوا بعد معنى الضغينة والكراهية والأنانية.. تعرفت خلال هذه التجربة على طفلة شغوفة بقراءة القصص الإنجليزية، وحينما طلبت منها أن تخبرني عن فحوى القصة بالعربية تحدثت عنها باللغة التي قرأتها بها وهي اللغة الإنجليزية فكررتُ طلبي فقالت أختها التي تكبرها بأعوام: إنها كانت تطالع أفلاماً كرتونية باللغة الإنجليزية، وتحفظ الحروف الإنجليزية، ولا تفعل شيئاً مسلياً إلا باللغة الإنجليزية، ونحن أخواتها الثلاث نتحدث العربية، ونقرأ القصص العربية وهي لا تريد مشاركتنا فتفكرت في هذه الظاهرة كيف أنها لم تتأثر بالجو العام ولا بأخواتها الأكبر منها سناً وبقيت متفردةً في قراءتها وتسليتها لنفسها؟! ولا أُخفي أني خفتُ في قرارة نفسي أن تواجه هذه الطفلة فيما بعد خطر التبعية وتهميش الضد مثلما أرى الآن في الأوساط الثقافية.. كان هناك أطفال في معرض المدينة المنورة للكتاب يحفظون قصصاً قد قرأوها ورسخت أحداثها في ذاكرتهم، وهم شغوفون بالتحدث إلى شخصٍ يحب القصص والقراءة ليتبادلوا معه الحديث فكانوا يروون لي ما قرأوا سابقاً، وما استقرت في أنفسهم من معاني تلك القصص العجيبة..كان بعض الأطفال ينجذبون إلى القصص من خلال ألوان الغلاف والرسومات التي عليه فيدفعهم الفضول لمعرفة ما بداخل الكتاب الذي لفت انتباههم غلافه.. وفي آخر أيام المعرض وحين تلقيت أزهار الوداع من إحدى الرفيقات ترقرقت دموعي بلا إرادة مني.. كنت لا أريد أن تنتهي هذه اللحظات الثمينة بالنسبة لي وقلت لها صراحة: أنني تمنيت أنها سبعة أعوام لا سبعة أيام.. لا أريد أن تُطوى هذه الصفحات السبع في دولاب الزمن وتُنسى دون أن نضع ضمن طموحاتنا الحاضرة والمستقبلية « أن نجعل الأطفال يبدعون».

    الكاتب: نوره السحيمي

    0المفضلة

    36 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من نوره السحيمي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • المكتبة ودهشة الأطفال

    المزيد من نوره السحيمي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة