فن الاختصار
Sep 16, 2024 02:30 PM Sep 16, 2024 02:30 PM
الاختصار في عالمنا اليوم كتاب معروفين مغرمين بالمطولات وآخرين يختصرون بفن ويتحفونك كل مرة بتحفة فنية منحوتة لا دهون سمينة فيها ولا غث ، وحين تقرأ للمبدع سيد حمدي لا ترى أنه قد أطال الحوار مع أنه قد يطيل لكن حين تحل القصة محل الاستراحات على طريق في مقالاته لا تحس بالممل ولأنه أحيانا يؤخر المثال على طريقة الرافعي والعقاد فيبدأ باللغز ثم يحاول بالقصص حله وإثبات نظرياته فإنك لا تحس إلا بالدراما والصراع داخل المقال لكنه أحيانا يعكس فيبدأ بالقصة على طريقة هيكل وعبد القدوس في كتباتهم الأولية وليس نهاية حياتهم حيث طغت الكتابات السياسية والتحليلات الفلسفية على مقالاتهما، فإنك تهيم معه وتنتظر بشوق استراحة المثال وحبكة القصة التي تربت على كتفي عقلك فلا يمل من السرد مع أنه مختص بصناعة المقال الاجتماعي بيد أنه يمتلك نواصي الجودة اللغوية بامتياز، فلمحترفي التلخيص الشكر كله، ونصف الحب للمطولين فكلاهما من نهر اللغة يغرف وعلى ضفاف المعاني يصطاد الأفكار ويغزل من شعاع الشمس سعادة عقلية وثراءً روحيا ، إن عصرنا يكاد ينعدم فيه وقت القاريء بل يقل القراء أنفسهم وهنا أرفع صوتي بالحث على الاختصار وما أدراكم ما الاختصار إنه معنى جميل لا يتقنه إلا القليل ، ومع عدم قبولي لفكرة الاختصار الشديد التي يتقنها الكتاب الكبار إلا انني أعترف أمامكم وأمامهم أنها إبداع بشري رائع يحاكي بل يحذو حذو الإبداع الإلهي - ولله المثل الأعلى - كم طالعت وطالعتم في القرآن الكريم كلمات قليلة تحمل المعاني الكثيرة وجمل معدودة الحروف طوت قصصا واختصرت تاريخ أمم انظروا معي لقوله تعالى ( والمؤتفكة أهوى - فغشاها ما غشى ) بلاد كانت تعج بالحياة خالفت أمر الله فمحاها الله وطوى تاريخها وسطر ذلك في جملة من أربع كلمات ، ومثال ثاني وأخير - فنحن لا نستطيع حصر أمثلة الاختصار في القرآن العظيم - هو قوله تعالى ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) مؤامرة وتخطيط وتنفيذ وسكر وعربدة جريمة كاملة لخصتها الآية الكريمة في حروف قليلة ذات معاني كبيرة وكثيرة ومستفيضة الحكم ولأن النص القرآني معجز بذاته لا يمكن تقليده لكن يمكن استلهام ملامح من روح النص ويمكن اقتناص مساحة تحت ظلاله الممتدة فإن كتاباتنا تتراوح بين المد والجزر بين الإطالة والاختصار بما يتناسب مع الحال والمقال والظروف والقراء والأنا الشعرية والقصصية لكل كاتب وشاعر وقاص ، وربما يقول البعض في النص القرآني مطولات بل وقصص معادة ربما يقول عنها البعض أنها مكررة والمتأمل بلطف وعمق وعقل للغة القرآنية يجد أن مافيها من تكرار لا تكرار فيه ، بل هو تناول للقصة ذاتها في كل مرة من زوايا العبرة المراد توصيلها للمستمعين قال تعالى ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) فشرح وتفسير واستفاضة تحتوي كل خلجات النفوس وتسيطر على لب القارئ والمستمع لهي والله نوع جديد من الإعجاز الإلهي في ذات النص ، ولا تدري أتعجب من إعجاز الاختصارات الفائقة أم من الشرح والإسهاب والتكرار الذي تحس بجدته كل مرة ( ولا يخلق من كثرة الرد ) كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ، وختاما زماننا ومن بلا زمن ووقت قل فيه الوقت وصدور تضيق بالقراءة والمطالعة فالرأفة يا كتاب والرحمة يا أصحاب الأقلام وليكن جل حروفكم الاختصار دمتم بخير


الكاتب: دكتور سعد جبر
0المفضلة
47 المشاهدات
0 تعليقات