• اللؤلؤة

    اللؤلؤة.. بحث عنها منذ زمن طويل, ملأ الدروب سيرا, ورسم التراب أقداماً, ولكنه لم يعثر عليها، كان يبحث عنها بين قواقع البحر على شاطئ الحياة, حينما غابت أمه عن ناظريه, فأسرع في البحث علّه يجدهما معاً، مات أبوه، وعادت أمه من مشوارها متعبة, فواصل السير نحو البحث، ولم يجدها، ترك الشطآن وجاب المدن والمزارع ولم يلقها، لكنه واصل البحث نحو المجهول . كلّ ولم يكلّ شوقه ليدها الحانية وأذنها المرهفة وعينيها الشفوقتين، كبر وكبر اهتمام الناس به يريدون منه ولا يريدونه، واصل البحث عن الحب وعنها، كان يتمثل كثيراً بعض آية محفوظة "عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً" الناس ينتظرونه في المطار ويسألونه ويعجبون بكلماته لأنه يصرخ نيابة عنهم، ولم يجد منهم من يحبّه، حتى بعد أن سمعها من بعضهم وهم يقسمون له بالله العظيم، تزوج الصغار وأنجبوا وهو يبحث عنها، وصل التلاميذ لحياة الوظيفة والمرتّبات ولم يجدها، دفن خواطره في دفاتره, ولم يسمح لمخلوق أن يراها حتى يجدها؛ لتكون أول من يفك رموزها، ولم ير من يستحقها غيرها، كانوا كما توقع يمزحون ويتضاحكون عندما تقع بعض سطوره فريسة بينهم، رآهم يتهامسون: هل توجد جواهر في الصحاري؟ وهل رأيتم لؤلؤة في حقل البرسيم؟! وقال له أحدهم ذات مرة: - هل ولد الجبل محاراً وقواقع؟ وكان يمزق نفسه بدلاً من أوراقه؛ حينما يقرؤونها بسخريتهم الفجة، ويعض أصابع الندم؛ كيف اطلعوا على أوراقه قبلها؟ واصل السير حتى قيل له: - الطريق مغلقة! استدار عائداً ولم يعبأ بأنفاسه المتلاحقة، لوح بيده لأول حافلة، كانت قسوتها تزيد ألم الطريق، والذي بدا كأن لم تمهده إلا قدماه أثناء البحث عنها. لم يترك فرصة للنافذة لتستريح مازال يتابع البحث عنها، ولم يعثر في كل السهول والمرتفعات حتى على طيف ظلها كما يقال في القصص التي تصفحها طيلة فترة الشباب، ولكنه بعد أزمات منتصف الطريق الرهيبة, وفجأة.. دون مقدمات وعند أحد المنعطفات رآها، أين كانت كل هذا العمر؟ ولم يصدق نفسه؛ لا لأنه لم يعرفها؛ ولا لأنها تأخرت عليه جداً؛ بل لأنه حين لمحها تاهت منه الدروب وتعثرت خطاه وتحولت رسومات أقدامه على الرمال حفريات أثرية من عصر القدماء. لم يستطع الوصول إليها وكانت أقرب ما يكون إليه؛ اندفع بنفسه لدفتره المهترئ ليعيش مع كلمات أثيرة كانت ترن في مسمعه منذ زمن بعيد "يبقى اسمك يا حبيبي..." رأى أوراق دفتره وكأنها قلوب بيضاء اتخذت شكلا مخروطياً فاحتار أن يسجل اسمها في قلب صفحاته أم في صفحات قلبه، لكنه أصر على تسجيل ذلك، ليثبت للعالم أنه وجدها وليثبت لنفسه أنه قادر على الصبر لمدة عمر كامل, وليتحدى اليأس الذي حاصره خمس عشرة سنة, ثم حاول قتله في مثلها، أمسك قلمه وسجل: -هذان سطران في ديوان الحياة، أو على الأقل قصة صديقين أو...أخوين، ربما، توقف كثيراً، لكنه أصر على أن يكتب وفقط، كتب أنه وجدها، وكتب أيضا أنه - بعد أن وجدها ـ عاد يبحث عن نفسه!

    الكاتب: دكتور سعد جبر

    0المفضلة

    46 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    اللؤلؤة سعد_جبر قصة الحب الزواج 

التعليقات (0)

المزيد من دكتور سعد جبر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • اللؤلؤة