• الخمس جنبهات الأخيرة

    الخمس جنيهات الأخيرة (قصة قصيرة) ركض الغلام إلى الشُرفةِ مرحا لاعباً؛ فنهضت أمه من مجلسها مسرعةً حريصةً على أن تدركه قبل أن يلقي بورقة النقود في الشارع. ولكن خفةَ الصبي وسرعة حركاته جعلته يسابق أمه وكأنه يلاعبها حتى ألقى بالنقود في الشارع قبل أن تمنعه. ارتاعت الأم؛ فهي لم يبق في بيتها غيرُ هذه الجنيهات الخمس التي تأمل أن تنفقها على الصبي حتى يتقاضى زوجها راتبه، فأسرعت ونادت على حسن كي يحضرها، فقام مسرعا للشرفة ليطلب من أحد جيرانه الاحتفاظ بها حتى ينزل فيأخذها. لم يكد حسن يطل من الشرفة حتى رأى حنفياً يلتقط النقود من الشارع ويدسها في جيبه. كان حنفيُّ قد أفضى له بالأمس أن الشركة استغنت عنه وأحالته للتقاعد وأن المعاش لا يساوي نصف راتبه الأصلي ولا يكاد يكفي المعيشة. نزل حسن مسرعا إلى الشارع -تُدافعٌ حاجتَه معرفته بحاجة صاحبه- وسلم على حنفي ورحب به ثم قال على استحياءٍ إن طفلي الصغير ألقى بخمس جنيهات من الشرفة إلى الشارع ألم تجدها؟ لم يتردد حنفي في الجواب بل قال بداهة لا لم أرها. وعقد الحياء لسان حسن أن يخبره أنه رآه من الشرفة وهو يلتقطها من الأرض ويدسها في جيبه؛ فهو يعلم الظروف التي يمر بها حنفي. دخل حسن شقته وأغلق الباب وراءه فبادرته زوجه: هل وجدتها؟ فقال: أنكر الرجل! قالت: ومالك لم تسألهُ؟ قال: إنه محتاجٌ وخشيت أن أبهته وأتهمه بالسرقة أو أفضحه أمام نفسه وربما أمام بعض الجيران قالت: ولكنها الخمس جنيهات الوحيدة الباقية معنا والولد يحتاج للبن والزبادي! أجابها: لا تقلقي ربُّنا سيفرجها إن شاء الله قبيل المغرب مشى الطبيب الشاب إلى القرية المجاورة حيث عيادته المتواضعة وحيث لا يملك أجرة السيارة وهو يدعو الله أن يعوضه خيرا ويرزقه ما ينفقه على أسرته وحاجته. كانت العيادة وسط القرية في بيت ريفي تقليدي في الدور الأول، والقرية فقيرة يعمل أغلب أهلها بالزراعة او عمالا في المصانع القريبة منهم. بينما هو جالس في العيادة طرق الباب زميل دراسة كان معه في المرحلة الإعدادية والثانوية وكانا صديقين حميمين إلا أن صقرا لم يكن على وفاق مع عائلته وألقته دوامة العناد واللجاج إلى عدم إكمال تعليمه الجامعي والعمل باليومية لكي ينفق على نفسه وتقلبت به الأحوال حتى شقت عليه المعيشة وأصبح كالصياد يخرج لرزقه كل يوم ولا يدري ما يُخرج الله من البحر له. سلم صقرٌ على صديقه ببشاشة وفرحة شديدة وجلسا معا بالشرفة يتسامران، وما هي إلا دقائق حتى قدم مريض للعيادة ففحصه حسنٌ، وأخذ منه خمس جنيهاتٍ قيمة الكشف، وتلا المريض آخر وآخر حتى اكتملت عشرون جنيها وهو يحس أن هما ثقيلا أزيح من على صدره وأن الله عوضه خيرا. لم يكد يفرح بما رزقه الله حتى بادره صقرٌ صديقه قائلا: أنا خجلان منك جدا ولا أدري ما أقول لك؟! بادره حسن وهل بيننا الخجل وهذا الحرج! تكلم يا رجل نحن رفاق الصبا والشباب فتشجع صقرٌ وقال له: قد جئتك اليوم وقد ضاقت الدنيا علي ولم أجد من يعينني؛ فأرجو ألا تخذلني، فخفق قلب حسن وقد أحس بما يريده صديقه وتمنى ألا يطلب منه نقودا لأنه لا يستطيع أن يرده في هذه الحالة وبهذه المقدمة الصعبة. خيرا إن شاء الله "محتاج فلوس" ؟! عشرين جنيها وسأردها لك في أقرب وقت إن شاء الله. لم يستطع حسن أن يخذل صديقه فمد يده في جيبه وأخرج كل ما تحصل عليه وأعطاه لصديقه الذي تهلل وجهه فرحا وانصرف مسرعا لحاجته. وحسنٌ يظن أن الله سيخلف عليه ويحدث نفسه أنه لم يخذل صديقه الذي أمل فيه وأنه لعل الله رزقه لسد حاجة صديقه ودوره لم يأتِ بعد. بعد قليل دخل صابرٌ -رجل مسن خطت الأيام في وجهه حكاياتٍ كثيرةً من الكد والجد- يحمل حفيده الذي سقط أرضا فكسر ساعده، يطلب من الطبيب المساعدة في اسعاف الولد حتى يذهب إلى الحاج علي صاحب الأرض التي يشتغل صابر في حراثتها وزراعتها بأجر يومي ليحصل على أجرة الغد ويعود بها للطبيب. "ولا يهمك يا عم صابر أنت جاري ولك حق عندي"، وقام الطبيب بملأ طبق بلاستيك بالماء وأحضر لفافات شاش طبي وفرد عليها طبقةً رقيقةً من مسحوق الجبس ثم لفها لفا محكما مشكلا أسطوانات من الشاش والجبس بطريقة شعبية تستخدم في المستشفيات العامة والمناطق الشعبية التي لا تتحمل نفقات الرفاهية والجودة، كان حسنٌ طبيبا بارعا واسع الأفق، كثير الإطلاع، طيب القلب، دقيق الملاحظة، ساعده ذلك وتخرجه من كلية الطب جامعة القاهرة وعمله بمستشفى عام مكنه من علاج عدد كبير من الحالات على إتقان مهنته وحب الناس له، فقام برد الكسر للطفل وثبته بالجبس وأعطاه موعدا للمتتابعة في العيادة. كان وقت العيادة قد انتهى فأغلق الباب وانصرف وهو يفكر ماذا يقول لزوجته ومم سينفق، وكيف سيركب إلى بيته وليس معه أجرة السيارة. مشى والهواجس تلح عليه حتى شارف الأسفلت فإذا بالعم صابرٍ يلحقه ويخرج من جيبه خمس عشر جنيها ويدفعها له مقابل عمله. "أنا قلت لك مش عايز حاجة يا عم صابر ، رايح تستلف ليه؟!" هذه أجرتي وبالله لم أستلف ولكن طلبت الأجرة مقدما من الحاج علي وبكرة نشتغل عنده ان شاء الله. وهل هذا معقول؟! أأخذ منك اليوم أجرة الغد وأنت عامل لا تملك غير هذه الأجرة! لا أبدا أنا لم أتكلف شيئا ولا أريد منك شيئا. وبعد أخذ ورد أقسم صابرٌ أن يدفع للطبيب أجرته وألا يتركها له الطبيب لأنه فقير فهو رجل يحب الحق ويأكل من عرق جبينه. وجبرا لخاطره ولنفسه قبل حسن أن يأخذ خمس جنيهات هي قيمة الكشف أو قيمة الشاش الطبي وأكد لصابر أنه لن يأخذ زيادة عليها فقبّل صابرٌ رأسه وشكره ودعا له وودعه. وصل حسن بيته فوجد أباه في انتظاره، كان موظفا بسيطا له عشرة من الأبناء ولكنه سليلُ أسرةٍ عريقة، ورث عن أبيه قطعة أرض يحرثها ويعيش هو وأبناءه مما يرزقه الله منها ومن وظيفته. كان "جواد" والد الطبيب حسن طيب القلب كريم النفس شديد الذكاء يعرف ما يلم بأبناءه وما يفكرون فيه دون أن ينطقوا، وكان حسنٌ أكبر أبناءه وأحب بني الدنيا وأقربهم إلى قلبه، وقد جاء متفقدا أحواله مطمئنا عليه. تحادثا وتناولوا العشاء معا وقام الوالد مودعا ابنه وأخرج من جيبه خمسةً وعشرين جنيها أعطاها لولده وقال هذا حافز استثنائي حصلت عليه اليوم فجئت به لأوسع عليك حتى تتحسن أحوال العيادة وتحصل زوجك على الوظيفة. تحمل يا بني أنت في بداية حياتك، وأنت ولد بار ورجل محسنٌ والله لا يضيع أجر المحسنين ودعا له وودعه وانصرف. مشى حسن مع أبيه يسامره حتى منتصف الطريق وعاد لبيته فوجد زوجه أعدت له كوبا من الشاي وأخبرته أنها تعاني في تسخين المياه من أجل طفلهما في الشتاء وأن السخان من الضرورات، فصدق على قولها وقال إن شاء الله قريبا. في اليوم التالي التقى صديقا له يعمل في بيع الأجهزة الكهربائية بالقسط فسأله إذا كان من الممكن أن يشتري منه سخانا، كان حسن محببا لكرمه وإكرامه لزملائه وحسن معشره لهم، فابتسم صديقه وقال: طبعا يا دكتور نحن نتمنى لك خدمة. كم سعر السخان؟ السخان سعة خمسين لترا سعره ٤٥٠ جنيها نقدا والآجل أكثر من ذلك بكثير، ولكن أنا أبيعك إياه بخمسمائة جنيه فقط تسددها في عشرين شهرا كل شهر ٢٥ جنيها. كان عرضا أكثر من رائع وقد فصل خصيصا من أجل الصداقة فشكر حسن صاحبه وقال ان شاء الله بعد يومين مع الراتب آخذ السخان وأدفع القسط، فنادى صاحبه على "سيد" -عامل يجلس حول المحلات طلبا للرزق لعل أحدا يكلفه بعمل ويدفع له مقابلا- وطلب منه أن يوصل السخان لشقة الدكتور حسن. وأخذ معه ليين وقام بتوصيل السخان وتشغيله لصديقه الذي شكره على حسن الخلق والصحبة واستودعه وانصرف. ذهب حسن للعيادة بعد تركيب السخان، ورزقه الله هذا اليوم ثمانين جنيها وهذا أكبر مبلغ يتحصل عليه من يوم عمل في العيادة ، دخل عليه غرفة الكشف الحاج سعيد صاحب البيت الذي أجره العيادة، ومعه كوبٌ من الشاي المعد على الجمر ( يسمونه في الأرياف شاي الراكية) وقدم له الشاي وهمس له أن العجوز التي تنتظر الكشف امرأةٌ وحيدةٌ مسكينةٌ عيشها من الزكاة والجمعية الشرعية وأوصاه بها خيرا وانصرف، فحص الدكتور حسن العجوز وقدم لها بعضا من الأدوية التي قدمتها له شركات الدواء للتعرف على منتجاتها، وشرح لها كيف تستخدمها ورفض أخذ الكشف منها وأكد عليها أن تراجعه كلما أرادت دون تردد أو خجل. مضت بضعة أسابيع وعادت العجوز لمراجعة الدكتور حسن في عيادته وبصحبتها "أم مجدي" ربة البيت الذي فيه العيادة وكانوا يعتبرون حسناً ابناً لهم وطالما قالوا له ذلك، أخبرته أنهم جاءوا ليودعوه فهم في طريقهم للحج هذا الموسم إن شاء الله، فقد ورد اسم "أم مجدي" في قرعة وزارة الداخلية وكذلك صاحبتها العجوز قدمت لها الجمعية الشرعية طلبا وتمت الموافقة عليه، كانت العجوز شديدةَ السرور وسألت "حسنا" ملحةً أن يطلب منها شيئا من البلد الحرام فتمنى لهما الحج المبرور والعودة سالمين سائلا الدعاء ثم قال للعجوز وليتك تدعين لي فيما تدعين يوم عرفة أن ييسر الله لي الحج وأن أدعو لنفسي في عرفة. عندما وصل الحجيج إلى عرفة جلست العجوز وأكثرت من الدعاء للدكتور حسن وصارت تصنع كوما من الرمل وترفع أكفها للسماء وتقول: يا رب العام المقبل يقف الدكتور حسن على جبل عرفة وقفة هذا الكوم، ثم تسويه وتعيده أخرى وتكرر الدعاء حتى نفر الحجيج من عرفة. عاد الحجيج للديار، وقدمت العجوز تزور الطبيب في عيادته وقدمت له قارورة من ماء زمزم وقصت عليه أم مجدي ما كان من أمر دعاءها له طول اليوم فشكرها وتمنى لهما القبول. عندما عاد الطبيب من العيادة أخبرته زوجه أن متصلا سأل عنه وعن موعد عودته من العيادة ولم يخبرها بشيء إلا أنه سيعاود الاتصال. في الليلة التالية تكرر الأمر وفي الليلة الثالثة كذلك؛ فقالت له زوجه: لديك خاصية كاشف الرقم استخرج الرقم واتصل به؛ فاتصالهم بك ثلاث ليال تباعا يوحي بأهمية الأمر. عاود حسن الاتصال بالرقم فلم يرد فقال لزوجته يبدو أنك محقة وأن هذا هاتفُ مكتب أو شركة لها مواعيدُ عملٍ محددةٍ مثل العيادة عندي، غدا اتصل بهم قبل الذهاب للعيادة. في اليوم التالي اتصل حسن بهم وعرفهم بنفسه وبما كان من اتصالهم عليه فأجابته الموظفة أن لديها عقد عمل في السعودية ويحتاجون تخصصه بصورة عاجلة فأكد لها رغبته في السفر دون تردد فطلبت منه جواز السفر والمؤهلات الدراسية وشهادة خبرة بصورة عاجلة. في الصباح التالي كان حسن في الجوازات يستخرج جوازا مستعجلا، قدم الطلب وقالوا له تعال استلمه بعد الظهر، انطلق للعمل واستخرج شهادة الخبرة وعاد إلى الجوازات فاستلم جواز السفر وانطلق إلى ميدان الحجاز بالقاهرة حيث عنوان المكتب فاخذوا صورة من الجواز ووقع معهم العقد وطلبوا منه استكمال الكشف الطبي فحص الفيروسات وتصديقا من الشهر العقاري علي عقد السعي بقيمة اثنين ونصف في المائة يدفعهم لهم مع الأوراق والكشف الطبي لاستخراج التأشيرة وأمر الإركاب. في المساء مر حسن بصديقه الصيدلي "علي" وأخبره بقصة سفره وأنه ليس معه عمولة المكتب ولا مصاريف السفر فدفع له صديقه عمولة المكتب وأخبره أنه خلال أسبوع حتى تنهى إجراءات التأشيرة والحجز يكون قد توفر مبلغ النفقات. اتصل المكتب بحسن ليستلم العقد والتأشيرة وأمر الإركاب ويستعد للسفر، فاستلم المستندات وانطلق لشارع قصر النيل حيث الخطوط السعودية فقدم أمر الإركاب واستخرج تذكرة السفر. وعاد لبيته والسفر بعد يومين. تفاجأت زوجه من وقت السفر فأخبرها أن خير البر عاجله، وأنه لا يعرف نظام السفر وهذا ما ورد له بداهة الموافقة على اول موعد متاح طرح له. لم يكن حسنٌ ليسافر دون المرور على صديقه المحبب صفي الدين، الذي كان يعتبره مثلا وقدوة في الخلق الراقي والتوكل على الله، كان يفرح وهو يراه خارجا من المسجد يسبقهم إلى النعال ليأتي بنعلي أبيه ويلبسهما له وهو جالس تحت قدمي الشيخ الكبير فيلبسهما ويدعو له. قابله صفي الدين بالعناق والترحاب وجلس أمامه هشا بشا فأخبره حسنٌ أنه مسافروجاء مودعاً؛ فتفاجأ صفي الدين من الخبر وقال له أبعد غد تسافر ولا أعرف إلا الآن، فاستعذره لأن الأمر كله كان مفاجئا وسريعا، فتمنى له الخير والتوفيق، وعندما قام يريد الانصراف استمهله قليلا فدخل وخرج وقد أحضر خمسة آلاف جنيه دفعها له وقال احتفظ بها وادفعها متى رجعت بالسلامة، تردد حسن في قبولها مع حاجته لها فأقسم عليه أن يستعين بها في سفره لأنه كان أعدها مقدما لشراء سيارة ولم يوفق في الشراء وليس بحاجة لها الآن. استودعه الله وعانقه وانصرف. ودع حسن أهله وانطلق إلى مطار القاهرة، وعلى نفس الرحلة التقى زميلي دراسة طبيبين مسافرين على نفس الرحلة إلى جدة حيث كان في انتظارهما قريب أحد الزميلين فاستقلا السيارة وذهبا لشقته في جدة حيث أخبرهم أنه بإمكانهم الإحرام من جدة بالعمرة إن أرادوا ما داموا لم يقدموا قاصدين العمرة وانعقدت النية في جدة، فأقلهم بالسيارة إلى الحرم فاعتمروا وفي اليوم التالي انطلق كل برحلته الداخلية إلى جهة عمله. حسن عمله الجديد واستقدم أسرته وتبدلت أحواله وهو لا يزال يقول لنفسه حب الخير للناس ودعاءهم الصالح والإحسان إليهم هو ما يحبب المرء لخالقه فيحسن الله إليه ويرزقه من حيث لا يحتسب، (إن الله يحب المحسنين).

    الكاتب: خالد مطير

    0المفضلة

    36 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #قصة_قصيرة‬ جزاء 

التعليقات (0)

المزيد من خالد مطير

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الخمس جنبهات الأخيرة