الدرس الرائع
Oct 30, 2024 12:42 PM Oct 30, 2024 12:42 PM
جلس شابٌ وضيء الوجه، حسن الهندام، طويل القامة، مفعما بالنشاط والأمل خلف مكتب معدني عتيق في غرفة الاستقبال بمستشفى حكومي وعلى كرسي خشبي جلست ممرضة الاستقبال سيدة في منتصف العمر قصيرة القامة بدينة ولكنها تفيض أمومة وظرفا. كانت تعتبر ( عادل)- طبيب الامتياز الذي تخرج حديثا من كلية الطب ولم يمض على استلامه العمل كطبيب امتياز بضعة أسابيع- ابناً لها شأنها في ذلك شأن كثير من الأمهات اللائي ملأت الأمومة وجدانهن رحمة وصفاء وتسامحا. كان عادل طبيبا مجتهدا ومهتما بالتدريب والتعليم محبا لمهنة الطب مبجلا لها وهي عوامل كانت تملأه حيوية ورغبة في العمل ليكتسب مهارات ومعارف أوسع، ولكن الحياة وتعاقب الأيام كفيل وحده أن يعلم المرء ما لا يسعه أن يتعلمه من كتاب أو رواية، والمواقف والأحدث خير معلم ومهذب. في المساء بينما عادل جالس بغرفة الاستقبال دلف إلى الغرفة رجل وقور أشيب أشهب ليس معه أحدٌ فسلم ودخل، قامت الممرضة واقفة تسلم وترحب بالدكتور محمد، ففهم عادل أنه قادم للتفتيش وكان عنفوان الشباب وقلة الخبرة جناحان حلق بهما بعيدا في سماء الغلو والعلو، أو الاستكبار والاستنفار؛ فلزم مكانه ولم يقم معبرا بذلك عن تمرده، ومعلنا احتجاجه على الزيارة التي خيل له صلف الشباب وغرور الحداثة أنها إهانة للطبيب. تفقد الدكتور محمد الاستقبال سريعا ودفعه الحرج إلى إنهاء الزيارة سريعا ومغادرة الاستقبال قائلا لعادل أتسمح بمرافقتي دقيقة؟ فصحبه عادل خارجين من الاستقبال، ولما خلا به سأله عن اسمه وعمله ثم قال بهدوء وحكمة: ما منعك أن تبدي التقدير والاحترام إذ دخلت عليك فلزمت مجلسك متجاهلا؟! خجل عادل وقد كان شابا حسن الخلق من عثرته تلك واعتذر قائلا: بل لك كل التقدير والاحترام ولكني لا أعرفك. ولكن الممرضة أخبرتك من أنا؟! كان عادل قد أقر في نفسه أنه أخطأ في حق رجل في عمر أبيه وجعله يحس بتعمد إهانته وعدم تقديره ولم يجد بدا من أن يكرر اعتذاره بأنه لم ينتبه لهذا. ربت الدكتور محمد على كتف عادل وقال له أنت أصغر من ابني وحديث التخرج وهذا يحملني على قبولها منك ولكن يا بني أنت طبيب في بداية حياتك فاحرص على احترام زملائك وإبداء التقدير لهم مهما تكن الظروف لكي لا نهدر المكسب الأهم في مهنتنا وهو التقدير والاحترام. أنا أكبر منك سنا وفي عمر أبيك ، وزميل لك في مهنتك، ومدير الادارة الصحية التي تشرف على كل المنشآت الصحية في المنطقة، فانظر كم حقا أهدرت. ثم التفت إليه ونظر بأبوة وقال بصدق أنا لا أقول لك هذا تأنيبا ولا أحمل في نفسي غيظا؛ فقد مررت في حياتي بمواقف كدنا نلطم فيها على الوجه، ولكن واجبي أن أبين لك وأمنحك من خبرتي وأنت في منزلة ابني وبداية مهنتك. قبل عادل جبين الدكتور محمد وشكره قائلا كما قلت قلة الخبرة وحداثة السن وأنت قبلتها مني كما تقبلها من ابنك وشكره فانصرف


الكاتب: خالد مطير
0المفضلة
16 المشاهدات
0 تعليقات