العنف ضد المرأة بين النص التشريعي والمجتمع الذكوري
Jul 6, 2026 10:06 AM Jul 6, 2026 10:06 AM
العنف ضد المرأة بين النص التشريعي و المجتمع الذكوري في البلدان العربية . يعتبر العنف ضد المرأة ظاهرة اجتماعية غير صحية، و هي منتشرة في كل المجتمعات الإنسانية دو استثناء، إن لم نقل انها رافقت الإنسان في حياته منذ الأزل إلى اليوم، و ما يهمنا نحن في دول الوطن العربي هو تجليات هذه الظاهرة في مجتمعنا باعتبار تقاليدنا و عاداتنا، و باعتبار أيضا ديننا و طبيعة مجتمعاتنا المحافظة. ومن المؤكد أن التعاليم الدينية دفعت بالمجتمعات العربية المحافظة بطبعها إلى حد المبالغة في تقاليدها و عاداتها الموروثة؛ فالمرأة في نظر هذه المجتمعات تعتبر عرضا يجب صونه و المحافظة عليه، بل و الدود عنه ، و هذه شيمة طيبة قل نظيرها في المجتمعات الاخرى، خاصة المجتمعات الغربية، إلا أن هذا لا يعني أن المجتمع العربي يقدس المرأة و لا يسيء إليها سواء ماديا أو معنويا، فرغم وجود ترسانة من التشريعات و التنبيهات الدينية الإسلامية التي تحث على احترام المرأة و ايفائها حقوقها كاملة دون نقصان، باعتبار القاعدة الفقهية النساء شقائق الرجال في الحقوق، رغم هذا كله فإننا نسجل، و بأسف شديد ، مظاهر شاذة في تعنيف المرأة في بعض البلدان العربية، يمكن تعداد بعضا من تجلياتها المثيرة في ظواهر شتى حيث يعد العنف الزوجي اكثر هذه الظواهر شدة و قسوة، و هو ما تعكسه النسب المهولة لحالات الطلاق المعروضة امام محاكم الأوطان العربية، خاصة طلاق الشقاق الذي أصبح ظاهرة تؤرق القلب، إذ أن أهم الأسباب وراءه هو العنف الممارس في البيوت ضد رباتها، ناهيك عما تتعرض له المرأة في الشارع من عنف لفظي و مادي من قبل بعض ناقصي الخلق و عديمي التربية و الضمير. إن كل تلك المظاهر سيئة و مخالفة لتعاليم الدين و الأخلاق الأصيلة، و باعتبار المرأة نصف المجتمع نتساءل عن ماهية الحلول المقترحة لمعالجة هذا الخلل في قيم مجتمعاتنا العربية ؟ كما نتساءل عن دور هذا الكم الهائل من المؤسسات الحكومية و هيئات المجتمع المدني في التصدي لهذه الظواهر؟ و ما دور البرامج التعليمية في الوطن العربي ككل لتقييم أخلاق المجتمع و توعيته بالدور الهام للمرأة في إعداد اجياله؟؟؟ إن هذه الإحاطة تدفع بنا الى التفكير في تصور المظهر المستقبلي الذي سوف تتخذه الأوضاع الجديدة لمجتمعات بعض الأقطار العربية التي تعيش على وقع تغييرات يمكن أن نسميها - ثورة على التقاليد و القوانين الدينية - في إطار ما يسمى بتجديد منظومة مدونة الأسرة، او ما يطلق عليه بقانون الأحوال الشخصية ، و ذلك باستحداث قوانين جديدة على النمط الغربي تلغي الولاية في الزواج، و تلغي نصوص الإرث المتوارثة، حيث تساوي بين الذكر و الأنثى، و تعطي الحق للمرأة بتزوج نفسها إلى غير ذلك من النصوص الجديدة. و في الجهة المقابلة نلاحظ أن بعض سمات العادات و التقاليد القديمة في بلدان الشرق الأوسط و شمال افريقيا ، لا زالت باقية واشمة تلك المجتمعات بأثارها السلبية على مجال حقوق المرأة و منها على سبيل المثال و ليس للحصر، ما يسمى بجريمة الشرف، و الزواج القسري، و الحرمان من الإرث الذي يعد من التقاليد الموروثة قبل الإسلام، ليتم استنساخه في قالب ديني يسمى الوقف أو الحبس- حسب تسمية كل قطر- ، حيث يعمد إلى وقف التركة و جعلها غير قابلة للتجزئة ، يستغلها الأبناء الذكور جيلا بعد جيل، و هو أيضا شكل من أشكال أقصاء المرأة من حقوقها الشرعية، و يعتبر مسكوتا عنه باعتباره متشكلا في اطار ديني، أما ختان الفتيات في بعض المجتمعات العربية الشرق أوسطية، فهو من التقاليد البالية المرصعة بالنص الديني و يمكن تصنيفه عنفا شاذا ضد المرأة، أما التعدد في الزوجات دون موافقة الزوجة الأولى، و دون توفر الشروط اللازمة لأحقاق العدالة الزوجية المنصوص عليها شرعا، فلا يمكن اعتباره إلا عنفا معنويا ضد المرأة و كرامتها ، و هو من التقاليد المعززة بنص ديني، الذي يواجه بصد عنيف من قبل بعض علماء الدين في حالة التنديد به أو استنكاره. إن هذه المقاربة تقودنا للتساؤل عما إن كانت تقاليدنا و ديننا قهرا للمرأة و سلبا لحقوقها أم صونا و حماية لها باعتبارها عرضا و شرفا؟ و في المقابل، و نحن نعيش في هذه المجتمعات العربية المحافظة بطبعها و بتقاليدها و طبيعة دينها، هل من حرية المرأة و مساواتها مع الرجل الزج بها في اسلاك الوظائف و الخدمات الشاقة التي تتطلب مجهود عضليا ؟ و بالمقاربة بين المغرب و دول العرب و افريقيا، نجد أن المملكة المغربية قطعت أشواطا مهمة جدا في مجال حقوق المرأة و الطفل، مقارنة مع باقي بلدان العرب و أفريقيا، حيث أصبحت المرأة و الطفل من صلب اهتمامات الدوائر الرسمية، و كذا جمعيات المجتمع المدني، بل إن الدولة انخرطت في الحوار العالمي الذي يهم النهوض بأوضاع المرة و الطفل بكل قوة و فعالية، غايتها هي صيانة حقوق المرأة و الطفل، بجدية و مسؤولية و التزام دولي بكل البروتوكولات و الاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا المجال، و هو ما مكن المرأة المغربية من تبوء مراكز القرار و المسؤولية في جميع القطاعات دون استثناء، و قد شكل القانون رقم 103.13 بمرسومه التطبيقي رقم 2.18.856 الذي ثورة في الترسانة القانونية المغربية، حيث أوجد إطارا قانونيا شاملا خاصا بمحاربة كافة أشكال العنف ضد المرأة (1)، فعملت بذلك الدولة في المغرب على خلق خلايا مناهضة للعنف ضد المرأة في المحاكم و مراكز الشرطة و الدرك الملكي في كل اصقاع الوطن، من أجل ضمان التواصل والتنسيق بين مختلف التدخلات لمواجهة العنف ضد النساء والمساهمة في وضع آليات لتحسين وتطوير منظومة التكفل بالنساء ضحايا العنف. و لعل ما يثير الانتباه في هذا النقاش هو ذهاب البعض إلى حد التقوقع في زاوية التحيز دون الانفتاح على الرأي الآخر، في اطار مفهوم مبدأ الاجتهاد في النصوص الذي هو سنة هذا الدين الحنيف المفتوح لأهل الاختصاص من فقاء القانون و علماء الدين.، و يذهب بالقول إلى أن النص الديني شامل و كامل يقضى به في كل زمان و مكان، متناسيا أن القوانين الإسلامية لم تعد لوحدها كافية لسد الثغرات و الفجوات القانونية لمعالجة النوازل المستجدة أمام القضاء، بفعل هذا التطور السريع الذي يشهده العالم في كل المجالات بما فيه المجال المجتمعي و الأسري، و هذا لا يعني إنكارا لمكانة النص الديني كمرجعية اساسية معتمدة تستمد منها القوانين الوضعية المنظمة لحياة المجتمعات. فأحكام الإسلام مقيدة بزمانها و حوادث نوازلها بأسبابها و عللها، أما اليوم فالحوادث و النوازل متغيرة، و الزمان غير الزمان، و بالتالي فليس من المنطق الحكم بحكم حكم نازلة حدثت منذ ما يزيد من أربعة قرون مضت، لنأتي نحن و نكيفه على هوانا على نازلة حديثة وقعت امس، فالتشريع متروك لأهل الاختصاص من فقاء القانون و علماء الدين ممن اوتوا القدرة على تكييف النص الدني بالواقع المعاش، بقوة الدليل و الحجة، و ليس بالنقل و الإتباع و العصبية. وختاما نؤكد أن المرأة انسان قبل كل شيء، فهي النصف الثاني للرجل، بدليل قوله تعالى :(( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )) سورة الروم اية 21 ، فكيف يعقل ان يستعبدها هذا المجتمع، و يغتصب حقوقها و يجعل الترخيص لأمورها كلها بيد الرجل، بل و يجعلها دون الرجل في الحقوق و الواجبات ، فالمرأة تبقى بنص القاعدة الفقهية شقيقة الرجل في الحقوق و الواجبات، و لكن العقل العربي لا ينظر للمرأة إلا بعين الشهوة و الإنجاب، أو بعين الدونية و الاحتقار، أو بعين الاستعلاء باعتبار الرجل دوما و ابدا القائم عليها. ------ الحسان القاضي رئيس مكتب المرصد المغربي للدفاع عن حقوق الإنسان و الحريات- طاطا- ------ 1- https://adala.justice.gov.ma/adala/new_ar_pdf/07e2497bf6b6361221686967f8459ae0e3563ce31b68e262357319de939d7e5b4.pdf


الكاتب: الحســــان القــاضــي
0المفضلة
101 المشاهدات
0 تعليقات