• فقه العروض والقافية [فعْلنْ]

    فقه العروض والقافية [فعْلنْ] الجزءُ (فعْلُنْ) ليس له وجود أصالةً في العروض، وتأتي دائمة بديلة. فمن هذا أنها (مستفعلن) بعد حذها، أي ذهاب وتدها المجموع، وهي (مفعولاتُ) بعد صلم وتدها المفروق، وهي (فاعلن) بعد قطعها، وهي (فاعلاتن) بعد بترها. وكل هذا لا أعرف فيه خلاف، ولا اختلاف بين أهل العروض، إلا (فعلن) التي في المتدارك. فما أصل (فعْلنْ) التي في المتدارك؟ فيها ثلاثة أقوال مشهورة: الأول: قيل (فَعْلنْ) تأتي من (فاعِلن) بعد قطعها، والقطعُ هو حذف آخر الوتِدِ المجموعِ، وإسكان ما قبله، و(فاعِلن) تتألف من سبب ووتد، والوتد آخر التفعيلة. وكذلك يقع القطع في (مستفعلن) لأنَّ وتدها في آخرها، والقطع علة تصيب العروض والضرب. والثاني: قيل (فَعْلنْ) تأتي من (فاعِلن) بعد خبنها: (فَعِلنْ)، ثم إضمارها: (فَعْلنْ). وهذا الذي أسميته بالخضنِ. والثالث: قيل إنَّ (فَعْلُنْ) تأتي من تشعيث (فاعِلنْ). وهنا يقوم سؤال: لماذا لا نقول إن (فعْلنْ) هي (فاعلن) بعد قصرها، مثلما قلنا بالقطع والتشعيث والخضن؟ من جهة النتيجة سيختلط الأمر على من لا فقه له بالعروض؛ لأنَّ القطع والقصر _وهذا جدلاً_ والتشعيث والخضن للجزء (فاعلن) سيؤدون إلى (فعْلن). ولكن القطع والتشعيث والقصر كلها علل نقص، بينما الخضن زحاف مزدوج، ولو فاضلنا بينهم، سنقول: الخَضْنُ: هو اجتماع الخبن مع الاضمار، وهو زحاف مزدوج مركب، والزحاف المزدوج أسهل من غشيان العلة للجزء، سواء في حشوٍ، أو عروض أو ضرب، ولكن الذي يشّذذه عندي، وقوع زحاف بعد زحاف في نفس الموضع، وهذا ليس له مثيل، حسب معرفتي المتواضعة، فهو تعليل مليح، ولكن لا يقع مثل هذا إلا من اجتماع العلل، في العروض والضرب، مثل بتر (فاعلاتن)، فهو حذف ثم قطع. قد يجتمع زحافان في جزءٍ، ولكن ليس في ذات الموضع، فالشكل خبن وكف، والخبن يصيب ثواني الأسباب الساكنة، والكف يصيب سابعها الساكن، والخبل خبن وطي، والطي يصيب رابع الأسباب الساكنة، وهكذا. القصر والقطع: القصر هو حذف ساكن السبب الخفيف من آخر التفعيلة، وتسكين ما قبله، ولا يقول به عروضي في (فاعلن)؛ لأن القصر يقع في الأسباب المتطرفة، و(فاعلن) ذات وتد متطرف، فيمتنع القصر مطلقا. وأما القطع فهو حذف ساكن الوتد المتطرف وتسكين ما قبله، فهو مقبول، وهو أقرب التفسيرات لوجود (فعْلن) في المتدارك، ولكن يُشكل علينا وجودها في الحشو، أما وجودها في الأعاريض والأضرب فلا خلاف على قطعها. والتشعيث: وهو ذهاب أحد متحركي الوتد المجموع، وهو علّة جاريةٌ مجرى الزحاف، فمن قائلٍ أن الذاهب هو عين وتد (فاعلن) فتصير إلى: (فالُن)، ومن قائل بذهاب اللام منه فتصبح: (فاعِن)، وفي كلتا الحالتين ينقل (فالن/ فاعن) إلى (فَعْلُنْ)؛ تحسينا للخطِّ واللفظ. قال أبو الحسن العروضي في " الجامع في العروض والقوافي ": (فقال قوم: إن الذاهب " العين " من فاعلاتن؛ لأنه إلى جنب السبب، فهو أقرب إلى العلة. وقال قوم: الذاهب " اللام "؛ لأنه في وسط الوتد، فهو أقوى؛ لأنه إذا اعتلَّ وإلى جنبه صحيح كان أحسن من أنْ يعتلَّ وإلى جنبه معتلّ). [ص: 196]. ووقوع التشعيث في المتدارك، مع شهرته مسألة فيها نظر؛ لأن التشعيث يقع في الوتد المجموع المتوسط، ولهذا يقع في (فاعِلاتن)، وأما وتد (فاعلن) فمتطرف. فائدة: قيل تجاهل الخليل أبو العروض والقافية، البحر المتدارك؛ لجملة أسباب منها: قلة الشواهد عليه من فصيح العرب، ولظهور (فعْلُنْ) في حشوه. مع أنه جعل البحر المتقارب في دائرة بمفرده، وبتطبيق قانون التقليب عند الخليل سيظهر لنا البحر المتدارك بتقديم سبب (فعولن) على وتدها فحسب، فهذه إشارة من الخليل على المتدارك، وكما قيل: الحُرُّ تكفيه الإشارة. قال أبو الحسن العروضي، في الجامع: (والدائرة الخامسة، تُسمّى دائرة المتفق، وفيها على مذهب الخليل باب واحدٌ، وهو المتقارب، والقياس يوجب أن يكون أقل ما يقع فيها من الأبواب بابانِ، وإلا فلم قيل دائرة إلا ليفك بابٌ من بابٍ، ويُدرى بالدائرة كيف وضع الفك وكيف سبيله؟ فإذا كان في دائرة باب واحد، فمن أيّ شيءٍ يُفك ذلك الباب؟ ولم خُصّ بدائرة، لولا أنها هنا فائدة عظيمة، ...). [ص: 95]. الخلاصة: اقرب الأقوال أن (فعْلن) التي في العروض والضرب: مقطوعة، وأما التي في الحشو فهي: مخضونة. وإليك مختصر الكلام: (1). استبعدنا القصر مطلقاً؛ لمكان الوتد المتطرف، وهذا من أسرار صناعة الخليل العروضية، فموقع الوتد من السبب، له اعتبار كبير جدا. (2). قبلنا الخَضْنَ، في كل أجزاء المتدارك، في الحشو والعروض والضرب؛ لأنه زحاف مزدوج (خبن + إضمار ). ووقوعه في العروض والضرب سيجريه مجرى العلة. (3). لا نرى التشعيث في حشو المتدارك، ولا في عروضه وضربه؛ لأنه مع كونه علة جارية مجرى الزحاف، إلا أنه يصيب الوتد المجموع المتوسط. (4). قبلنا القطع في العروض والضرب، دون الحشو؛ لأنه علة ثابتة؛ وله نظائر في أضرب البسيط. ...................................... المصدر: (التجديد في العروض والقافية) ، عبده بن فايز الزبيدي.

    الكاتب: عبده فايز الزبيدي

    0المفضلة

    10 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #فعان #فقه_العروض_والقافية 

التعليقات (0)

المزيد من عبده فايز الزبيدي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • فقه العروض والقافية [فعْلنْ]

    المزيد من عبده فايز الزبيدي

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة