في بهو الذكريات
Nov 29, 2024 02:14 PM Nov 29, 2024 02:14 PM
في بهو الذكريات (قصة قصيرة ) بقلم / د علي الروبي لم يكن قادراً على إخفاء مشاعر السعادة الغامرة التي تنتابه، فتنعكس على محياه وقسمات وجهه فتجعله مضيئاً، يعرف كل من يراه أنه في قمة السعادة، ولم يكن يصدق نفسه أنه بعد عشرين عاماً كاملة سيلتقي أصدقاءه في الجامعة، فقد اضطرته الظروف إلى الهجرة إلى دولة أوربية ولم تكن زياراته لمصر إلا لماما، وانقطعت وسائل تواصله معهم تماماً، حتى فعلت الأقدار فعلتها المعتادة التي يظل الناس يعجبون لها، فألقت بأحد الزملاء في طريقه، ومن ثم حصل التواصل مع أصدقائه، وها هو في طريقه إلى الالتقاء ببعضهم بعد عشرين عاماً! لا يدري على وجه الدقة سر هذه النشوة من السعادة التي تجعل قلبه يرقص فرحاً بهذه الصورة، فرحاً لم يذق طعمه إلا مرات قليلة جدا بعد اغترابه. هل السر في ذلك هو ما قاساه من غربة عن وطنه، وأصدقاؤه القدامى بمثابة الوطن له؟ أم هو حنين الإنسان في العموم إلى أيام الماضي؟ أم لأنه لم ينجح في الغربة أن يتحصل على أصدقاء حقيقين وإنما على زملاء ومعارف وعلاقات قوية لكنها ليست صداقات حقيقية. على كل حالٍ ليس مطلوباً منه أن يقدم تقريراً علمياً عن السبب الحقيقي وراء هذه السعادة الكبيرة جداً لمجرد لقاء أصدقاء الجامعة، ينبغي أن نعيش لحظات الفرح ونظفر بها لا أن نسعى في استغلالها لتأييد النظريات الفلسفية. تعمد في اللقاء لا أن يكون على سجيته مع مَن يحب فحسب، بل أن يكون على سجيته التي كانت في تلك السنوات تحديداً؛ لينتقل كلياً إلى ذلك العالم الذي كان يعيش فيه أجمل سني عمره. قال على طريقته القديمة في المزاح السخيف لأحد أصدقائه الثلاثة، وهو الأثير عنده: -- من أين لك هذا الكرش العملاق والعهد بك أنك ذو جسم نحيف؟ رد صاحبه: اشتريته من الصحراء الجرداء التي أصبحت فوق رأسك! وسقط الجميع في الضحك على عادتهم القديمة. تغيرت معالم أصدقائه الثلاثة كثيراً كما تغيرت معالمه هو ولم يعرفهم لأول وهلة... ينتصر الزمان على الإنسان في معاركه معه دائماً! قال الصديق الثاني: لك معي مفاجأة ستسعدك، ثم أخرج مجموعة من الصور المشتركة لزملاء الدراسة. كان هو قد فَقَدَ جميع الصور التي عنده المتعلقة بمرحلة الجامعة، فأدهشته المفاجأة. قال الصديق الثالث: هيا نختبر ذاكرتك، مَن هذا الذي يقف على يمين الصورة؟ أجاب سريعاً: "صامد" الصعيدي. أصبت، ذاكرتك جيدة. ثمة أشخاص يظلون في الذاكرة لا يسقطون منه، فلا يغيب عن حافظته منظر " صامد " وهو يرفض الإهانة الموجهة إليه بغير حق من الدكتور " شامخ"، ويدافع عن كرامته في المحاضرة ويدفع ثمن ذلك الرسوب في المادة لعامين متتاليين. - وأين هو الآن؟ - التقينا به مرة أو مرتين بعد الجامعة، ثم انقطعت أخباره بعد استقراره في الصعيد. قال الصديق الثاني: ومَن هذا الواقف بجوار صامد؟ أخذ يتذكر يمنة ويسرة محاولاً العثور عليه في دهاليز الذاكرة فلم يفلح. سألهم: من يكون؟ - شوقي " الوصولجي" كما كنا نسميه، ألا تتذكره؟! أجاب ضاحكاً: آه، تذكرته. ما أخباره؟ - أوه، أصبح يُشار إليه بالبنان الآن، ترقية واحدة تفصله عن أن يصبح (محافظاً)، وبالطبع لن يقف عندها، ولن يرضى بها. قال الصديق بضحكة خبيثة: ومَن تكون هذه الفتاة الجميلة الواقفة أقصى يسار الصورة؟ أطرق، ثم أجاب بعينين دامعتين: " فاتنة قيس". هكذا كان اسمها عنده، وهو ما لم يكن يخفيه على خلصاء أصدقائه ومنهم هؤلاء الثلاثة. لأول مرة بعد عشرين عاماً تقع عينه على صورتها، نعم، رآها في أحلامه كثيراً بعد الفراق، لكن هذه المرة الأولى التي يرى صورة لها في الواقع لا المنام. فعلتْ عيناها في الصورة ما كانت تفعلانه به في الحقيقة! اجتاحت سهامهما شغاف قلبه فأنزفته، وأحس بتلك القشعريرة التي كانت تنتابه قبل عشرين عاماً عند لقياها. لم يظل لقاؤهما في ذلك اليوم المشؤوم عالقاً بذاكرته فحسب، بل صار فيما بعدُ كابوساً يطارده في منامه بعد ذلك، ويتطير به على حدوث مصيبة له صبيحة اليوم الذي يراه فيه. جاءته تعلوها الكآبة، وما أظلم الكآبة حين تعلو وجهاً باهر الحسن، قالت وقد غلبتها دموعها: إن أبي يرفض الفكرة ويأبى أن تأتيه لخطبتي، وقد حاولت عن طريق أمي، بشتى السبل، أن أثنيه عن ذلك فلم يستجب. ظل واجماً لدقائق طويلة ثم نهض قائلاً: أطيعي أباكِ، وإن كنتُ أشك بدرجة كبيرة أنني أستطيع الحياة بدونكِ. فكّر في الانتحار وفكر في الهجرة ثم اختار الهجرة وأكمل الحياة. نعم، لم تكن الحياة بدونها كالحياة بها، لكنه أكمل الحياة وبقي حياً وتزوج وأنجب، ثمت أشياء كثيرة نزعم أننا لا نقدر على إكمال الحياة بدونها، ثم تجبرنا الحياة على أن نكلمها بدونها! قال الصديق الثالث وقد راعه أن يبقى للحب هذا التأثير بعد كل هذه الأعوام الطويلة: نعتذر لك، أخبرني إذن عن هذا الشخص الجالس في واجهة الصورة، من هو؟ أجاب وهو يمسح دموعه ويلملم جراحه: باهر الشناوي، أليس كذلك؟! - بلى، ولكن هل تعلم كيف صار حاله الآن؟ - كيف صار حاله؟ - صار إمام مسجد يخطب في الناس الجمعة ويؤمهم في الصلوات، بل صار داعية مشهوراً، محمود السيرة جداً في منطقته وغيرها! - باهر الذي كان يطارد الفتيات ويتسكع على أرصفة الجامعة! - نعم، هو هو! لا تدل البدايات دائماً على النهايات، ثمت تقلبات في الحياة، تغير قناعاتنا وأولوياتنا ونظرتنا للحياة ومعناها وغايتها. قال الصديق الأول: طبعاً، تعرف هذا الذي يرفع يده عالياً في يمين الصورة، فهو من " شلتنا". - بلا ريب، هذا جهاد المعصرواي، ما أخباره؟ - كان الله في عونه وفرج كربه، فهو يقضي عقوبة في السجن. - كيف ذلك؟ - أنت تعلم ذكاءه وألمعيته وأنه كان يحب التجارة منذ كان طالباً معنا في الجامعة، وبعد التخرج لم يزل يدخل في مشروع بعد مشروع، حتى توسعت تجارته، ولكن أصاب السوقَ ركودٌ، فتعثرت مشاريعه وخسر خسائر هائلة بالملايين وطالبه المضاربون معه بأموالهم فعجز عن السداد، وهو ها الآن في السجن منذ خمسة أعوام. قال في تأسف وتحزن: فرّج الله كربه، ليست الدنيا دار جزاء وإنما دار اختبار، وإلا فاللائق بشخص ألمعي كجهاد أن يكون من كبار رجال الأعمال في الدولة لما يمتلكه من ومواهب وأفكار. ثم أضاف: بمناسبة كلامكم عن ( شِلتنا) طمأنوني على صديقنا ( أمل)، ما أخباره؟ وأين وصل في حياته الدراسية؟ أتذكر أنه يطمح أن يكون معيداً في الجامعة ثم دكتوراً ثم عميداً للكلية ثم رئيساً للجامعة، طالما كان يحكي عن هذه الأمنيات وأنه سيعمل على تحقيقها ولن يعوقه عن الوصول إليها إلا الموت. أطرق الأصدقاء الثلاثة ولاذوا بالصمت. قال في تعجب: ما بكم يا جماعة؟ نطق أحدهم في حزن: ادعُ له، واقرأ له الفاتحة فقد مات ( أمل) ! ردّ في دهشة وصدمة كبيرتين: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف ومتى؟ - ما أخدع الدنيا لنا أو ما أشد انخداعنا بها وبحقيقتها، فبعد تخرجنا بثلاثة أعوام كان قد أعد رسالة الماجستير، وفي يوم مناقشتها وقع له حادث سير على إحدى الطرق السريعة، وأصابه نزيف في الدماغ، وظل في العناية المركزة أياماً ثم مات. لم يتمالك دموع عينيه وأخذ في بكاءٍ شديدٍ، وطفق الأصدقاء يعملون على تهدئته، بينما تلوح أمام عينيه صورة صديقه ( أمل) وهو يقول لهم مجارياً لهم في المزاح عندما كانوا يتندرون على قصر قامته: ( غداً، ( يا فاشل أنت وهو) ستعرفون قيمة الدكتور أمل رئيس الجامعة، وإذا سألني أحدكم التوسط لأحد أولاده أو أولاد أقاربه في أمرٍ ما في الجامعة، فلن أفعل وسأتنكر له جزاءَ سخريتكم هذه!


الكاتب: د علي حسن الروبي
0المفضلة
31 المشاهدات
0 تعليقات