• الكابوس المائي

    الراجل خطط لهذا اليوم منذ أسابيع. كان الجو حارًا، والملاهي المائية تبدو أفضل فكرة للهروب من حرارة الصيف. الأطفال كانوا متحمسين، وكانت مراته مجهزة كل شيء من الليلة السابقة. أول ما دخلوا الملاهي، الألوان الزاهية وصوت الموسيقى العالي مع أصوات المياه الجارية خلقوا أجواء مليئة بالمرح. العائلة تفرقت، كل واحد راح يغير هدومه، والراجل اتجه للغرفة البعيدة الهادئة لتغيير ملابسه. كان كل شيء هادئًا جدًا لأن أغلب الزوار جاؤوا مبكرًا للاستفادة من اليوم كاملًا. بعدما خرج الراجل من غرفة الملابس، لمح مجموعة من الشباب يتصرفون بطريقة غريبة. كانوا يضحكون بصوت عالٍ، يتعمدون الخبط في الناس، ويتعاملون بوقاحة مع العمال. ثم رأى واحدًا منهم يلتقط طوبة صغيرة من الأرض ويقذفها على رأس عامل يقف بجوار الزحاليق. الطوبة أصابته مباشرة، وبدأ ينزف. الشباب ضحكوا بشدة وهربوا سريعًا. الراجل وقف مكانه مصدوم، لكنه لم يكن يعلم أن هذه اللحظة ستكون بداية لمحنة طويلة. الشباب لاحظوا الراجل وهو يشاهد ما حدث. التقت عيونهم به، وبدأوا يتجهون نحوه بخطوات سريعة. "إنت شوفت إيه؟ تعال هنا!" صاح أحدهم. حاول الراجل الابتعاد، لكنهم لحقوا به عند منطقة المحلات الفارغة. مسكوه بشدة وبدأوا يهددونه. "لو فتحت بقك، هنخليك عبرة." حاول تهدئتهم: "مشفتش حاجة، سيبوني أعدي." لكن كلامه لم يقنعهم. بدأ الشباب يضربونه بعنف، ويسحبونه بعيدًا عن أي مكان مزدحم. حاول إخراج هاتفه لطلب المساعدة، لكن أحدهم لاحظ الحركة وانتزعه منه. "هات الموبايل ده!" صرخ الشاب وهو يلوح بيده. من شدة الخوف، رمى الراجل الموبايل ناحية محل قريب وصاح لصاحب المحل: "بلغ الأمن!" لكن الصدمة كانت في صاحب المحل، الذي بدا عليه الخوف الشديد. بدلاً من المساعدة، أخذ الهاتف وأعاده للشباب، قائلاً بتردد: "خدوا اللي بتدوروا عليه وسيبوه." قرر الشباب تصعيد الأمور. جلبوا سلكًا معدنيًا كانوا قد وجدوه في مكان قريب وربطوا يديه بقوة. استمروا في ضربه بينما كانوا يطلقون تعليقات ساخرة وضحكات متعالية. الراجل، رغم ألمه، لم يفقد الأمل. بدأ يحاول فك السلك حول يديه بهدوء، وبمجرد أن انشغل واحد منهم بشيء آخر، استجمع كل قوته وركض بكل طاقته. الشباب كانوا خلفه يصرخون ويطاردونه، لكن الطريق كان مليئًا بالأشجار الكثيفة والسلالم الحجرية. بينما كان يركض في هذا الممر المهجور، لمح عربة تابعة للأمن تتحرك بعيدًا. بدأ يصرخ: "الحقوني! الأمن!" لكن العربة لم تسمعه. ركض وراءها ليلفت انتباهها، لكن التعب بدأ يسيطر عليه. وقف ليلتقط أنفاسه، لكنه فجأة سمع صوت خطوات سريعة خلفه. الشباب كانوا يقتربون. ركض مرة أخرى حتى وصل إلى محل مغلق بسور حديدي وباب محكم الإغلاق. دخل وأغلق الباب وراءه بسرعة. الشباب وصلوا وبدأوا يخبطون الباب بكل ما يملكونه. "افتح الباب يا جبان!" صاح أحدهم. أثناء محاولة الشباب كسر الباب، أصيب أحدهم بجروح بعدما ارتدت عليه قطعة حديدية كان يحاول كسرها. الدماء بدأت تسيل من رأسه، وبدأ يصرخ. انشغل البقية بمساعدته، مما أعطى الراجل فرصة للهرب مرة أخرى. نزل بسرعة على السلالم المؤدية لمنطقة مفتوحة، ووجد نفسه أخيرًا أمام حارس أمن كان يقوم بدورية. الراجل كان يلهث بشدة، وإصاباته كانت واضحة في كل أنحاء جسده. حارس الأمن أمسك به وقال: "إيه اللي حصل؟ مين عمل فيك كده؟" بدأ الراجل يحكي بصوت متقطع عن كل ما حدث. الأمن تحرك بسرعة وقام بتأمين المنطقة، بينما نقلوه إلى استراحة صغيرة للاطمئنان عليه. بعد مراجعة كاميرات المراقبة، تمكن الأمن من تحديد هوية اثنين من المعتدين وقبضوا عليهم عند بوابة الخروج. قبل مغادرة الملاهي، طلب الراجل من رجال الأمن: "من فضلكم، ما تكتبوش اسمي في المحضر. أنا مش عايز مشاكل أكتر." الأمن طمأنه بأنهم سيحمونه. عندما عاد إلى عائلته عند البوابة، ركض أطفاله نحوه واحتضنوه. زوجته كانت خائفة وسألته: "إنت كويس؟ إيه اللي حصل؟" رد عليها قائلاً: "أنا كويس... خلينا نمشي." وفي طريق العودة، ظل صامتًا، يتأمل ما حدث، ويحمد الله أنه خرج من هذا الكابوس حيًا.

    الكاتب: طارق محمد

    0المفضلة

    16 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    الكابوس المائي 

التعليقات (0)

المزيد من طارق محمد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الكابوس المائي