الاحمق المرزوق
Jan 3, 2025 10:52 AM Jan 3, 2025 10:52 AM
الاحمق مرزوق عبدالله بن علي ابو حنش _ المغرم رجب ١٤٤٦ هجري الاحمق، هو فاسد العقل، الذي تكون نتائج تصرفاته سيئة، لا تتفق مع المنطق. لا يستمع الى شور العقلاء، ولا يعتبر بالاخطاء، ويظهر هذا الحمق عند اشتداد حالات عاطفية معينة مثل الفرح او الحزن او الغضب. مثل هذا مع الدعاء له، يصعب على الناس التعامل معه خاصة ان رافق حمقه .. خباثة في النفس. فالانسان عندما يكون ذكيا بما يكفي يمكنك الوصول معه الى نقطة اتفاق بغض النظر عن حسن او خبث النوايا، لانه عقله سيرشده الى المصلحة وعندما يكون مستوى ذكاءه منخفض، ونيته حسنة، فان روحه الحلوة تعوض ذلك و تجعل من السهل القبول به كصديق والوصول معه الى نقطة اتفاق. لكن ان يجتمع الخبث مع الحمق، هنا حتى التعامل معه متعب، لا يقر بخطأ اما عمدا لسوء نيته او جهلا لفساد عقله، ولا يعترف لك بالحق إلا اذا ظلمته وقهرته. تفعل ذلك وانت تتألم في نفسك فلا انت بظالم ولا تحب، لكن لتخلص نفسك منه. نعود للموضوع [الاحمق المرزوق] بعضا من هولاء فعلا يكون مرزوق رغم سوء تصرفاته، والناس قديما لاحظوا ذلك وعبر الشعراء عما يجول في خواطرهم، فقالوا: رزقت مالاً فعش مما رزقت به ... فلست أول من حمقى بمرزوق وآخر قال يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمق ... الرّزق أغرى به من لازم الجرب وابو الاسود الدؤلي، قال: والأحْمقُ المَرْزوقُ أعْجبُ مَنْ أرى ... من أهلِها والعَاقلُ المَحْرومُ وكعب بن زهير الشاعر الجاهلي، قال: قد يُعْوزُ الحازمُ المحْمودُ نيَّتُه .. بَعْد الثَّراءِ ويُثْري العَاجزُ الحَمِقُ حاولت ان احلل وافسر العلة، لانها حقا من اعاجيب الدنيا، وعندما تمعنت وقلبت الامر جيدا، اتضح لي ان النية الطيبة هي المفتاح اضافة الى السعي والمثابرة، فهذا الاحمق ذو النية الحسنة، يتسم بجميل الصفات التي يفتقدها الكثير من الناس، تجده طيب القلب رحيم بالضعفاء كثير البذل والعطاء. ولان افكاره مخالفة لما اعتادت عليه العقول الراجحة، تجده يتبع سبل جديدة ومبتدعة لطلب الرزق، في خدمات وبضائع ينصرف عنها الناس ويستبعدون فائدتها. ولان تصرفاته تصدر عن يقين وقناعة، يكون حكمهم عليه بقلة التدبير وسوء التصرف، اول الامر ثم يبصمون له بالعشرة عندما يلحظون النتائج المبهرة، ولا يعلمون انه هو ايضا يضحك في الخفاء مستعجبا مما يحدث له. يمكننا ادراج تصرفاته ونتائجه تحت نص الاية الكريمة {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ } [سورة الليل - الايات ٥ و٦و٧] وقول رسولُ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وسلم : [فاتَّقُوا اللَّهَ وأجمِلُوا في الطَّلَبِ ، ولا يَحمِلْ أحَدَكُم استِبطاءُ شَيءٍ مِنَ الرِّزقِ أن يَطلُبَهُ بغَيرِ حِلِّهِ ، فإنّهُ لا يُدرَكُ ما عِندَ اللَّهِ إلّا بطاعَتِهِ] طبعا ليست هناك حالات مسجلة يمكن الاعتماد عليها كدليل لاثبات صحة محتوى هذا المقال، سوى الابيات الشعرية اعلاه، وايضا ما نقل عن التاجر الامريكي تيموثي ديكستر، المولود سنة 1747م. وساذكره في السطور القادمة. ولكن هناك حالات اعلمها على المستوى الشخصي، حيث التقيت بعدد من هولاء اثناء عملي كمعقب لمدة سنتين قبل الانتقال والاستقرار بالوظيفة الحكومية "وظيفة المعقب: وان كانت بسيطة في نظر البعض لكنها تفتح لممارسها افاق الدنيا والمعرفة عمليا وميدانيا، وتعتبر منطلقا لاغلب رجال الاعمال الكبار - اغلبهم بدأوا معقبين- لانها وظيفة مسئولة عما يتعلق باعمال الشركات الخاصة مع الدوائر الحكومية - سجلاتها التجارية ورخصها وشحناتها بالموانيء واعمالها المتعلقة بالجوازات والامور المالية المتعطلة لدى الغير - مهنة تحتاج الى شخص يستطيع السير على العجين دون ان يلخبطه. الى جانب هذه الوظيفة تستطيع ان تصفني بالكشكول، كنت قارئا جيدا للسير الذاتية ولمجلة الرجل التي كانت تجري لقاءات مع الاثرياء العصاميين، ومطلع على المجلات الاقتصادية وجريدة الشرق الاوسط، بل وعملت مع ملاكها -اسرة ال حافظ- الى جانب اهتمامي بالتاريخ وعلم الاجتماع. النية كانت الاتجاه للتجارة لكن شاء الله ان يكون بنجاح محدود لا يشبع الطموح، ولله الحمد. لذلك كل هذه الاراء التي انقلها لك هي اراء تاجر فاشل، لكنه قاريء جيد في نفس الوقت، واسمح لي ان امدح نفسي في هذا الجانب فقط -موضوع القراءة المكثفة- فكل ما اراه طيلة اليوم، اعود واسجله في ملاحظاتي بدقة اذا ما عدت الى منزلي" نعود الى التاجر الامريكي الاحمق تيموثي ديكستر، المولود سنة 1747م والمتوفي سنة 1806م. ولناخذ نماذج من خطواته: ١/ في حرب الاستقلال الأميركية، اشترى سندات وشهادات مديونية بسعر متدني لانها بلا قيمة. وبعد انتهاء الحرب سددتها الحكومة بأكثر من قيمتها. ٢/ من باب المكيدة والحسد وعلى اعتبار انه معتوه، اقترح عليه أصدقاءه إرسال شحنة من الفحم إلى نيوكاسل (نيوكاسل في الاصل بلد مصدر للفحم) وعلى نيته، أرسل سفينتين محملتين بالفحم إلى المنطقة. في نفس الفترة أضرب عمال مناجم نيوكاسل عن العمل وحصل ازمة، وباع الفحم بأسعار مضاعفة. ٣/ حاسد نصحه بشحن قفازات إلى جزر البحر الجنوبي المعروفة بطقسها الحار على مدار السنة. قبل النصيحة وفي نفس تاريخ وصول شحنته، مرت سفن في طريقها الى سيبيريا الباردة، واشترت كامل كمية القفازات وبربح جيد. لاحظ ان كل خطوة خطاها غير محسوبة في علم البشر، لكنها محسوبة بدقة في علم الله المقدر لشئون خلقه. انتهاء الحرب وشراء السندات، ثم اضراب عمال الفحم عند وصول سفينته، ثم مرور السفينة السيبيرية بتوقيت وصول سفينة الشحن التابعة له. نحن نؤمن ايمان يقين بان الارزاق يسوقها الله الى من يريد من عباده، فاما ان يسخر له العقول الطيبة وينصحونه بما يجب، او ان ينطق بها لسان اصحاب العقول الشريرة فيأتون له بافكار لا يمكن لعاقل ان يقبلها، وتكون النتيجة انفراده بالسوق من حيث لا يعلم. هذه التصرفات اللامعقولة، من قبل التاجر الامريكي، ومن يشبهه، خلفها اسرار لا نعلمها (كم من يتيم كفل، وكم من ارملة جبر كسرها، وكم من جائع اطعمه، وكم من عائل فقير فرج كربته، وماذا قدم لوالدته من بر وخير).


الكاتب: عبدالله المغرم
0المفضلة
126 المشاهدات
0 تعليقات