• " جمالٌ مُشوّه "

    الفصل الثالث: جمال مشوه من الذي قرر أن الجمال يُقاس بعيون الآخرين؟ من أتى بذلك القانون الخاطئ الذي جعل من المظاهر معيارًا للقيمة؟ بالنسبة لي، الجمال لا يعني ذلك الانعكاس الساكن الذي يظهر في مرآة ضوء قاسٍ، ولا هو ذلك المظهر الذي يتلاشى لحظة ترافقه الرياح. الجمال الحقيقي، كما أراه، هو شيء بعيد عن تلك الملامح السطحية التي يتعاطون معها، هو ذلك الوعي الذي يرفض أن يكون مرتهنًا بما تراه العيون العاجزة عن الإدراك. الجمال ليس في الصورة التي تُرسم، بل في اللحظة التي يتم فيها التبصر بما وراء تلك الصورة. إنهم يظنون أنهم يرونني، يظنون أنهم قادرون على تفسير تلك اللمحة التي تتراءى لهم من وقت لآخر. عيونهم تتبعني، ترافقني كما لو أنني معادلة رياضية يجب أن تُحلّ، لكنهم لا يدركون أنني لغز اخترت أن أظل بلا حل. يرون شعري الأسود، الذي يتماوج كأمواج الليل الهادئ، وعيناي المملوءتين بعوالم كاملة لم تُكتشف بعد، ويظنون أن هذا هو كل شيء. يظنون أنهم في حضرة جمال يلامسهم، لكنهم لا يدركون أنه جمال مشوه، جمال لا يمكنهم لمسه أو حتى تفسيره. فهو ليس كما يريدون أن يكون. في أعماقهم، يدركون أن الجمال الذي يراهم هنا ليس هو نفس الجمال الذي يسكنني. لكنهم لا يعرفون، أن الجمال الذي يبحثون عنه ليس هو الحقيقة. هم يبحثون عن معايير فُرضت عليهم، عن شيء ملموس يمكنهم قياسه بكلمات تليق به. لكنني أرفض هذه المعايير، أرفض أن يُقاس جمال داخلي بجمال خارجي، أو أن يُسجن في أسئلة سطحية لا معنى لها. الجمال، كما أراه، هو حالة عقلية، هو رؤية فريدة للكون، لا تستعير مفردات الآخرين لتكون كاملة. هو أن أكون في سلام مع نفسي، أن أعيش في عالم لا يعترف بمعاييرهم. كنت أسمعهم، يتحدثون عن الجمال كما لو أنه معركة يجب أن تكسبها المظاهر. يتسابقون حوله، يتجادلون بشأنه، بينما أنا أراه شيئًا أكبر وأعمق من أن يُسجن في سياقهم الضيق. جمالهم ليس سوى قشرة، لم يكن أبدًا الحقيقة التي أعيشها. كل من حاول أن يقترب مني ظنًّا منه أنه سيفهم هذا الجمال الذي يراه، يكتشف في النهاية أنه لا يفهم سوى جزء ضئيل، فقير في معناه. هم يرون الجمال في الكمال، في تلك التفاصيل الواضحة التي تعجبهم وتطمئن عيونهم، لكنني أرى الجمال في الندوب التي تزين الروح، في النقص الذي يتحدى فكرة الكمال، في الغموض الذي لا يمكن تفسيره. في لحظة كان هناك من قال لي: “أنتِ جميلة، لكنك غريبة.” كأن كلماتها تخترقني دون أن تدري. ليس لأنها لاحظت شيئًا خارقًا، بل لأن هناك شيئًا في ملامحي، في كياني، كان يرفض الخضوع لتلك القوالب التي أصروا على تعريف الجمال بها. الجمال ليس في تطابق الملامح مع الفكرة النمطية التي يرونها، بل في تلك التفاصيل التي تغيب عن أعينهم، في غموض غير مفكك، في ذلك الجمال الذي لا يتماشى مع تعريفاتهم. الجمال بالنسبة لي ليس في أن أكون مرآة لهم، بل في أن أكون فكرًا خاصًا لا يطلب منهم تصديقًا. الأمان الذي أعيشه داخلي ليس مجرد حالة من الراحة السطحية، بل هو قوة غامضة. جدار لا يستطيع أحد اختراقه، ليس لأنني أرغب في العزلة، بل لأنني لا أحتاج إلى تلك الهويات التي يفرضونها من حولي. هم يتسابقون على اكتساب القبول الاجتماعي، على استعراض صورهم أمام المرايا التي يتخيلون أنها تكشف حقيقة وجودهم. أما أنا، فقد اخترت أن أعيش في عزلتي الخاصة، في عالم أكون فيه مكتفية بذاتي، بعيدة عن ذلك العراك الصاخب حول معنى الجمال. بينما هم يركضون وراء صورة يعتقدون أنها ستمثلهم، أجدني في السكون، في الصمت الذي لا يحتاج لتفسير. هناك حيث لا يُطلب مني أن أكون شيئًا غير ما أكون عليه، حيث لا توجد حاجة لتعديل الملامح لتتوافق مع مقاييس المجتمع. في تلك اللحظة، أجد الجمال في كل شظية مكسورة من داخلي، في كل زاوية ترفض الانسجام، في كل نغمة صمت لا تحتاج للكلمات. الجمال بالنسبة لي هو الحرية أن أكون تلك النسخة التي لا يحتاجها أحد لفهمها، تلك النسخة التي تختار ألا تُفسر، أن تُترك على حالها كما هي. أعلم أن هؤلاء الذين يلاحقونني بأعينهم، يظنون أنهم يعرفونني، يظنون أن جمال الوجوه يكفي لفهم الجواهر التي تسكن الأعماق. لكنهم لا يدركون أن الجمال الحقيقي هو الذي لا يمكن وصفه بكلمات، هو الذي يتجاوز المعايير الجمالية العادية التي يفرضها العالم عليهم. هم يريدون أن يروا فيَّ مرآة لمكتملهم، لكنني اخترت أن أكون شيئًا أكثر. اخترت أن أكون ظلًا يختبئ فيه الجمال في غموضه، في زواياه غير الواضحة، في النقص الذي يكمل الصورة. الجمال الذي لا يُرى، هو الجمال الذي لا يعترف بالحدود. هو الجمال الذي ينبض من الداخل، يتناثر في كل زاوية من هذا الوجود. هو الجمال الذي لا يطلب النظر إليه، ولا يطلب الإعجاب. الجمال الذي يعيش في صمت، في الخفاء، في الحافة التي تترك للآخرين أن يكتشفوا ما وراءها. أما أنا، فاخترت أن أعيش في هذا الجمال المشوه، الجمال الذي لا يُرى إلا من عين ثالثة، من تلك العين التي تبحث عن المعنى العميق في ما لا يُقال، في ما لا يُرى.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    5 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " جمالٌ مُشوّه "