• " تساؤلات الصمت "

    الفصل الرابع: تساؤلات الصمت لماذا لا يتوقفون عن طرح الأسئلة؟ كأنما كل إجابة أقدمها لهم هي سرٌّ يقترب من حقيقته، كأنهم يظنون أن فهمهم لي هو غاية في حد ذاتها. يقتربون بأقدامهم الثقيلة، أحيانًا أسرع مما يجب، يتسابقون ليحطموا جدار الغموض الذي بنيته بعناية متناهية. ولكن، أليس في هذا كله تعدٍّ على مساحتي الشخصية؟ أليس في رغبتهم المستمرة في اختراق عالمي الخاص نوع من الوقاحة؟ الوقاحة في أن يظنوا أنهم يستطيعون أخذ كل شيء، حتى تلك الأجزاء التي تركتها طواعية للغموض، تاركة لها مساحة للتنفس والتساؤل. لا يدركون أن كل سؤال يطرحونه هو مجرد طرق على باب مغلق. باب لا أعتزم فتحه، لا اليوم ولا في أي يوم قادم. كلما اقتربوا، زادوا بُعدًا. لأن القرب الذي يسعون إليه لا يعنيني إلا في كونه محاولة لفهمي، أما القرب بالنسبة لي فيعني السكون، الاحترام. القرب الذي أريد أن يُمنح لي هو ذلك الذي يتقبل غموضي كما هو، لا أن يحاول تجاوزه أو تفكيكه. ذات مساء، بينما كنت أتجول بين أزقة المدينة القديمة التي تلتف حولها الأضواء الخافتة، والأصوات التي تكاد تُسمع، مشيت في صمت استسلامي الخاص. كانت الطريق ضيقة، والأجواء ثقيلة، عابرة بين الحين والآخر رائحة القهوة أو العطور الثقيلة، حتى اختلطت في أذني همسات الأشياء الصغيرة، وتوقف الوقت. حينها، اقترب مني رجل. لم تكن خطواته مريبة، بل كانت هادئة بشكل غير متوقع، حملت في أعماقها رغبة ملحة في المعرفة، ولكنها كانت تلك الرغبة التي تتسلل بين الأسطر دون أن تجرؤ على قول كلماتها علنًا. أوقفني بلطف، كأن في صوته نوع من التردد، لكنها ترددت بينه وبين نفسه فقط، “من أنتِ؟” سألني بصوت لا يحمل تهديدًا، ولا حتى شفقة. كان مجرد سؤال بسيط، لكن السؤال الأكثر تعقيدًا الذي لا يمكن لأي كلمة أن تحمله. لم أبطئ خطواتي، ولا رفعت عيني عنه، فقط نظرت إليه للحظة وقالت بصوت منخفض كأنني أتحدث لنفسي: “أنا هي… فقط.” لم يكن في إجابتي ما يروي فضوله، لكنه ربما شعر، كما شعرت، أن كلمة “فقط” هي الإجابة الأكثر اكتمالًا، لأنها تشتمل على كل شيء وكل لا شيء في نفس الوقت. لكنه لم يدرك أن في صمتي، في ذلك التفسير الضئيل الذي منعته عن الخروج من فمي، كان هناك كنهٌ أعمق، لم يكن بحاجة لفهمه. كنت أعلم، وأعلم جيدًا، أن اللحظة التي أسمح فيها بالتفسير هي اللحظة التي أفقد فيها تلك الهيبة التي منحتني إياها هذه العزلة الداخلية. اللحظة التي أتحدث فيها ستصبح اللحظة التي سيفقد فيها الجميع جزءًا من سحري، من تلك الهالة التي حولي، التي لا تفسرها الكلمات. التفسير يُفقدك جزءًا من حقيقتك. الكلمات هي المساحة التي تحاول أن توضح ما لا يمكن رؤيته، وتبسط ما لا يمكن تبسيطه. كلما شرحت نفسي، كنت كمن يزيل طبقة من غموضه، لتصبح في النهاية مجرد صورة واضحة جدًا، يُمكن للجميع أن يرونها كما يرون مرآة عاكسة. أما أنا؟ أرفض أن أكون تلك الصورة السطحية التي يسهل على الجميع فهمها. أرفض أن أكون قصة قد تكتمل بمجرد أن يظن البعض أنهم قرأوا سطورها. أنا أكثر تعقيدًا من ذلك، أكثر عمقًا من تلك الأنماط المألوفة التي يسعى الآخرون لتطبيقها عليَّ. هم لا يفهمون أن الجمال الحقيقي لا يكمن في وضوحه، بل في لغزٍ غير قابل للشرح. القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الكلمات، بل في قدرتك على الحفاظ على نفسك غامضة، مكتفية، غير مُقاسة. الجمال لا يكمن في أن تكون شيئًا يستطيع الآخرون فهمه أو تعليقه على جدار حساباتهم. الجمال يكمن في أن تكون أنت، كما أنت، مع كل ما تعنيه تلك الكلمة من غموض، من تعقيد، من انفراد. هم يحبون الأجوبة، يحبون أن يضعوا كل شيء في مكانه المحدد. أما أنا، فأجد أن الأجوبة تقيّدني، تجعلني في مكانٍ ضيق، فهل نعيش فقط لتلبية أسئلة الآخرين؟ في تلك اللحظة، بينما كان الرجل يراقبني، وكل ما كان يحاول فهمه كان يتلاشى بين غموض إجابتي وصمتي، تركتُه خلفي. لم أشعر برغبة في إلقاء المزيد من الكلمات، لم أشعر بالندم على هذا الصمت الذي تجسد في كل خطوة أتركها خلفي. لأنني أعلم، كما تعلمت على مر السنين، أن الغموض ليس مجرد درع أرتديه للحماية، بل هو جزء من وجودي ذاته. الصمت ليس غيابًا، إنه حضور غير مرئي. في الصمت، في تلك اللحظة التي اخترت أن ألتزم فيها بسكون داخلي، أجد حريتي. أحتفظ بسري الذي يجعلني أنا بيونكو، كما أنا، لا كما يريدونني أن أكون. تساؤلاتهم التي تلاحقني لا تعني لي شيئًا. لأنني، في أعماق نفسي، أملك كل الأجوبة. الإجابة الحقيقية هي أنني لا أحتاج إلى أن أشرح نفسي لأحد. أنني لا أحتاج إلى أن أكون مرآة لأحلامهم. ليس هناك شيء يمكنهم سؤالي عنه، لأن الأسئلة نفسها تفتقر إلى المعنى الحقيقي عندما تكون جميع الإجابات داخلي، وكامنة بين طيات سكوني.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    12 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " تساؤلات الصمت "