• "في مرآةِ الوجـود"

    الفصل الخامس: في مرآة الوجود الشارع اليوم أكثر هدوءًا من المعتاد، حيث لا حركة تذكر، وكأن الوقت نفسه قد اختار أن يبطئ من خطواته ليتيح لي فرصة للغوص في نفسي. كنت أمشي دون أن أعي المسافة التي قطعها قدماي، وكأنني أُسحب نحو شيء غير مرئي، شيء يفوق قدرة العقل على تصوره. كل شيء من حولي أصبح ضبابيًا، وكأن العالم نفسه يعكس لي صورة مشوشة لما أراه، بينما كانت عيناي تحاولان الإمساك بتفاصيل دقيقة لم ألحظها من قبل، تلك التفاصيل التي كانت دائمًا أمامي، ولكنني كنت أتجاهلها عمداً. ربما لأن الحياة دائمًا تعطيك تلك الفرص الصغيرة لتكتشف ما كنت تظنه عاديًا، ولكن حين ترى كل شيء في ضوء آخر، يتحول العادي إلى شيء عميق، محمّل بالدلالات التي لا نهاية لها. أفكاري كانت تغلفني، تضغط على ذهني، وتدفعني للتساؤل عن طبيعة الوجود ذاته. كنت أسير وكأنني أبحث عن شيء، لكنني لم أكن أعرف تمامًا ما هو هذا الشيء. كان السؤال يلتف حول عقلي: هل نحن من نخلق عالمنا؟ أم أننا مجرد انعكاس لما يحدث من حولنا؟ هل أستطيع أن أقول إنني خلقت نفسي، أم أنني مجرد رد فعل لمجموعة من الظروف والتجارب التي لم أكن أملك القدرة على التحكم فيها؟ عيني كانت تلتقط كل التفاصيل الصغيرة، الزهور التي ذبلت على الرصيف، والأشخاص الذين يمرون بجانبي كأنهم شبحون، لا أثر لهم في الحياة، سوى في اللحظة التي تقاطعنا فيها. شعرت بأنهم جميعًا، حتى الشارع نفسه، كانوا يحملون في طياتهم جزءًا من الحقيقة التي كنت أبحث عنها. هل كل هذه الأشياء هي مجرد قطع صغيرة في لوحة كبيرة؟ أم أنها جزء من كائن حي يتنفس؟ أيمكن لعالمنا أن يكون فقط انعكاسًا لما نعيشه في أعماقنا؟ بينما كانت قدماي تتنقل ببطء، كما لو أنني أبحث عن شيء كان دائمًا هنا، توقفت فجأة، بدون أن أدري لماذا. أمامي كانت مرآة عملاقة، موجودة في واجهة متجر مهدم، تغطي معظم الجدار. كانت مرآة قديمة، بإطار مهدم، وكأنها تحمل في داخلها تجاعيد الزمن نفسه. نظرت إلى نفسي، لكنني لم أكن أرى ما كنت أتوقعه. كانت صورتي في المرآة تبتعد عني، كما لو أنني كنت أرى شخصًا آخر. كانت تلك المرأة في المرآة تحمل الكثير من القوة والضعف في آن واحد، كما لو كانت تتصارع مع كل لحظة في حياتها، تراهن على كل شيء، لكنها في ذات الوقت، تخشى الرهان. كانت عيونها مليئة بالأسرار، بنظرات غير مكتملة، كأنها تتحدث عن شيء لم تجرؤ أبدًا على قوله. هل هذه هي الحقيقة التي كنت أخفيها عن نفسي طوال هذا الوقت؟ همست داخل نفسي، وكأنني أخاطب العالم بأسره، ولكن في نفس الوقت، كنت أخاطب نفسي فقط. لكن الحقيقة، هل هي حقًا شيء يمكن أن نكتشفه بالنظر في مرآة؟ أم أن الحقيقة تحتاج إلى أكثر من مجرد رؤية سطحية، تحتاج إلى مواجهة، إلى مواجهتنا لأنفسنا من داخلنا؟ كلما حاولت أن أرى بشكل أعمق، كلما كان الضباب يزداد كثافة. كانت تلك المرآة التي أمامي هي مرآة روحي، مرآة تمثل جميع التجارب التي مررت بها، وجميع اللحظات التي اخترتها أو تركتها تمضي دون أن أدرك تمامًا معناها. كيف يمكنني أن أفهم نفسي إذا كانت الحقيقة لا تظهر إلا في لحظات من الفوضى، وفي لحظات من الغموض، حيث تتداخل الخطوط بين الواقع والخيال؟ كنت أستطيع أن أشعر بأنني أواجه عالماً غير مرئي، عالم من الأفكار والأحاسيس، عالم لا يتمكن أحد من رؤيته إلا إذا كان مستعدًا لملاقاته. لكنني كنت أعلم في أعماقي أنني لا أستطيع الهروب من تلك الحقيقة. لا شيء يبقى مخفيًا إلى الأبد. مثلما يعكس كل شيء في الكون، يجب أن نواجه أنفسنا في النهاية، لندرك أننا جزء من هذا الكون، وأننا جزء من هذا الزمان والمكان. كل ما عشته وكل ما عشته من تجارب، كل لحظة تلو الأخرى، كانت تسهم في تشكيل هذه الصورة الغامضة التي أراها أمامي الآن. لا يمكننا أن نفهم الحياة إلا إذا سمحنا لأنفسنا أن نعيشها بكل ما فيها من فرح وحزن، من ضعف وقوة، من أمل ويأس. وكلما مررنا بتجارب جديدة، تعلمنا شيئًا جديدًا عن أنفسنا. وكلما اقتربنا من فهم الحقيقة، كلما كانت هناك أبواب جديدة تفتح أمامنا، أبواب لا نعرفها بعد. أنا الآن أدرك أن الحياة ليست عن الفهم السريع أو الإجابات الجاهزة. الحياة ليست معادلة يمكن حلها بالمنطق، ولا خطة يمكن أن تسير على النحو الذي نريد. الحياة هي رحلة مستمرة من الاكتشاف، من البحث عن الحقيقة، من محاولة فهم الذات دون الحاجة إلى الهروب أو التظاهر. نحن لا نحتاج إلى الهروب من الأسئلة التي تطرحها الحياة، بل يجب أن نتعلم كيف نواجهها بشجاعة. إذا كانت الحقيقة لا تُكتشف إلا في مواجهة الذات، فأنا الآن على أعتاب بداية جديدة. ربما ليست كل الأسئلة ستجد لها إجابات الآن، ولكنني مستعدة للمضي قدمًا. الوقت هو الذي سيكشف لي الطريق، لا سواه. إذا كان كل شيء في هذا الكون يتغير ويتبدل، فسيظل هناك شيء ثابت واحد: أنا. أنا من أخلق حياتي، وأنا من أقرر كيف أعيش. وكلما اقتربت من نفسي، وكلما تراجعت إلى أعماق كياني، كلما كان الضوء أكثر وضوحًا، والظلال أقل كثافة. لا شيء ثابت في هذا العالم، ولا شيء يستمر إلى الأبد. ولكن هناك شيء واحد لا يتغير: رحلة الاكتشاف. رحلة تبدأ عندما نقرر مواجهة أنفسنا بشجاعة، عندما نقرر أن نكون صادقين مع ذواتنا. وكلما ازدادت الظلال من حولنا، كلما كان هناك شعاع جديد من الضوء ينتظرنا. ونحن، كما هو الحال في هذه الرحلة، لا نعلم أبدًا إلى أين سنصل، ولكننا نعلم أن الرحلة بحد ذاتها هي التي تشكلنا، هي التي تصنعنا. عالمي هو الذي أخلقه بنفسي، وأنا وحدي من يحدد ما إذا كنت سأعيش في الضوء أو في الظلام. وكلما تخطيت الظلال، كان الضوء أكثر إشراقًا، وكلما اقتربت من نفسي، كانت الحقيقة أكثر وضوحًا.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    7 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • "في مرآةِ الوجـود"