• " ظِلال الماضي "

    الفصل السادس: ظلال الماضي عندما أغلق عيني، يصبح العالم الذي أعرفه ضبابيًا، وتختفي ملامحه في ثنايا الذاكرة. هناك، في أعماق عقلي، أرى الظلال التي تتراقص كما لو أنها تعزف على وتر الزمن. تختبئ هذه الظلال في الزوايا البعيدة من عقلي، حيث لا يستطيع الضوء أن يصل، حيث لا يمكن لأي شعاع أن يكشف عن حقيقتها. يظن البعض أنني أهرب من الماضي، أنهم يرونني أحاول أن أبتعد عن ذكرياته الثقيلة، وكأنني أخشى الوقوع في فخها. ولكن الحقيقة هي أنني لست في حاجة للهروب. إنني لم أتخلف عن الماضي، بل اخترت أن أعيشه بالطريقة التي أريدها. لقد قررت أن أتعامل مع كل لحظة منه على أنها جزء من كياني، جزء لا أحتاج إلى التخلص منه، بل جزء أملك القدرة على تقبله أو تشكيله كما أريد. في كل مرة أغمض فيها عيني، يعود الماضي ليحضر نفسه في ذاكرتي. ليس كحمل ثقيل أو ظل يطاردني، بل كأجزاء صغيرة من حياتي جعلتني تلك التي أنا عليها الآن. هناك من يظن أن الماضي لا يمكن أن يكون سوى عائق، ولكن بالنسبة لي هو أكثر من ذلك بكثير. الماضي هو الروح التي صنعتني، هو الحروف التي كتبت بها قصتي الخاصة. عندما أنظر إليه، أراه مختلفًا عن ما يراه الآخرون. بالنسبة لهم هو مجرد سلسلة من الأحداث، مجرد ذكرى قديمة تطوى مع مرور الوقت. ولكن بالنسبة لي، هو بحر عميق مليء بالحقائق التي لا تنتهي. كل لحظة فيه هي حقيقة غير مفهومة، حكاية غير مكتملة، فصل من قصة كنت أكتبها بنفسي. وكل جزء من ذلك الماضي هو اختياري، أنا التي قررت كيف سيكون شكله، ومتى سأتركه يتنفس أو يتراجع إلى الظلال. لا أحد يمكنه أن يملك حكاياتي مثلي، ولا أحد يستطيع أن يحدد ملامحها إلا أنا. في بعض الأحيان، عندما تتسلل الأفكار من الماضي إلى ذهني، أشعر وكأنني أعيش في عوالم مختلفة في آن واحد. كل لحظة كانت قديمة منذ زمن طويل، لكنها ما زالت حية في قلبي. إن الماضي لا يموت أبدًا، ولا يفنى، بل يبقى هناك كجزء مني، يرافقني، يسير معي أينما ذهبت. قد يرى الآخرون أنني أخشى الماضي، ولكنهم لا يعرفون شيئًا عن مدى معرفتي به. أنا لا أخشى شيئًا منه، لأنني هو. لقد وقفت أمامه، ونظرت إليه في عينيه، وأمسكت بكل لحظة فيه بأيدٍ ثابتة، لأقول له: “هنا أضع الحدود.” لا شيء يمكنه أن يهزني، لا شيء يمكن أن يزعزع المكان الذي وضعت فيه حدودي. لأنني لا أحتاج لأحد كي يحدد لي الماضي، ولا أحتاج لشيء لكي أستعيده. أنا من صممت تلك اللحظات، وأنا من يتحكم في سريانها داخل روحي. ومع مرور الأيام، وفي صمت طويل، أدركت شيئًا عميقًا عن نفسي. كان هناك شخص من الماضي يحاول أن يكتشف شيئًا فيّ، شيئًا عجزت الكثير من العقول عن فهمه. كان يتحدث عني بطريقة تجعله يعتقد أنه يملك الإجابة، وكأنني لغز يريد أن يحلّه. ولكن ما لم يدركه هو أنني لم أكن لغزًا يمكن حله. كنت سرًا أعيش معه في سلام، سرًا لا يمكن لأي شخص أن يكتشفه إلا إذا كان على استعداد لتقبل الحقيقة التي لا يمكن للكلمات أن تصفها. كنت أدرك تمامًا أن الناس يرونني من خلال ظلالهم الخاصة، يعكسون فيّ أفكارهم وأحكامهم، لكنهم لا يعرفون الجزء الذي أحتفظ به لنفسي. ذلك الجزء الذي لا يمكن لهم الوصول إليه أبدًا. ذات يوم، في يومٍ مطير، حيث كانت السماء ممتلئة بالغيوم، وكان المطر يتساقط بشكل بطيء وكأنه يحاول أن يخفي أي أثر لوجودنا، اقترب مني شخص آخر. كانت عيناه مليئة بالفضول، محملة برغبة لا تنتهي في اكتشاف كل شيء عني. كانت نظراته تحمل أملًا غير واقعي، وكأنني مخزن أسرار لا ينضب. وتلك النظرات كانت تؤرقني، لأنها كانت تعرف أكثر مما يظن. كان يريد أن يعرف شيئًا عميقًا، شيئًا لم يقل أحدٌ عنه شيئًا. لكنني لم أسمح له. لن أسمح له أبدًا بأن ينقض على روحي بتلك الطريقة البسيطة. قال لي حينها: “أنتِ تتكلمين كما لو أن لديكِ الكثير من الأسرار.” وكانت ضحكتي الداخلية هي الرد. الأسرار؟ نعم، ولكنها أسرار لا يملك أحد القدرة على كشفها. ليس هناك سر في حياتي يمكنهم أن يكتشفوه، لأنهم لا يملكون المفاتيح لفتح أبواب قلبي. الحقيقة التي يعرفها قلبي عميقة للغاية لتصل إليها عقولهم، وهم لا يعلمون ذلك. كيف لهم أن يعرفوا؟ وهم لا يملكون الحق في الوصول إلى أعماق الروح التي لم أسمح لهم بالولوج إليها. إن الغموض الذي يعتقدون أنه يوجد فيّ ليس شيئًا صنعتُه عمدًا. الغموض جزء من كينونتي، جزء من طبيعتي التي لا يمكن للآخرين أن يفهموها. إنه سر لا يتعلق بهم. وليس كل ما أفعله أو أقوله يمكن أن يُفهم من خلال عقولهم المحدودة. ما أملكه ليس مجرد أسرار، بل هو قوتي في أن أبقى محجوبة عنهم، أن أظل في مكان بعيد عن أيديهم، خلف جدار من الهدوء والصمت. هذا الجدار هو ما يجعلهم يحاولون اكتشاف المزيد، لأنهم يظنون أن هناك شيئًا خلفه يستحق الاكتشاف. ولكنهم لا يعرفون أن هذا الجدار هو ذاته الذي يجعلني أقوى. كما أنني أعتقد أنني أعيش حياتي كما أريدها، فلا أحد يمكنه أن يفرض عليّ كيفية عيشها. كل لحظة فيها هي اختياري، وكل ذكرى هي قراري، وكل غموض في نفسي هو شيئ اخترته لنفسي. أنا من يكتب ملامحي، وأنا من أضع القيود، وأنا من يقرر متى يظهر الماضي ومتى يظل محجوبًا. سأظل دائمًا في أيدي نفسي، ولن أدع أحدًا يمسك بزمام روحي. أنا من أقرر، وأنا من أختار. لذلك، لا تسألوني عن الماضي، لأنني هو.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    17 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " ظِلال الماضي "