• " غُربة في الداخل "

    الفصل السابع: غربة في الداخل الوحدة، في عمقها، ليست وحشة أو حالة من الفراغ، كما قد يظن الآخرون. في الحقيقة، هي مصدر قوتي الحقيقي. يظنون أنني أحتاج إليهم، يتخيلون أن غيابي عنهم يعني نقصًا في كينونتي، لكنهم لا يعرفون أنني تجاوزت تلك المرحلة منذ زمن بعيد. لم أعد بحاجة لأحد ليكتمل وجودي. في وحدتي، هناك توازن هائل بين ما أعيشه وما أحس به، وحدة هي مساحة تمتد بي إلى أعماق نفسي، حيث لا أحد يستطيع الوصول إليها. هي اللحظة التي تلتقي فيها الروح مع الكون، حيث يغني الصمتُ كُلَّ كلمة غير مُنطَقة، وحيث تنطق الكلمات التي لا يستطيع أحد سماعها إلا أنا. الوحدة هي الحرية التي تجسدها كلماتي، التي أخفيها في قلبٍ لا يُعرف إلا من خلال صمته العميق. الوحدة ليست غيابًا عن العالم، بل هي حضوري الكامل في هذا العالم، ولكنني في هذه الحضور لا أستطيع إلا أن أكون أنا. ما يشعر به الآخرون من ضياع في غيابي ليس سوى انعكاسٍ لما أراه فيهم. هم يظنون أنني فارغة، لكن في حقيقة الأمر، أنا مليئة بما لا يستطيعون حتى أن يفهموه. قوتي تكمن في تلك المساحة الفارغة التي لا يمكن لغيري أن يملأها. عندما ابتعدت عنهم، عن كل هؤلاء الذين يتوقعون مني أن أكون جزءًا من حياتهم، لم يكن ذلك هروبًا. بل كان قرارًا نابعًا من فهم عميق للحقيقة: الناس يظنون أنهم بحاجة إلى ملء الفراغات التي يعجزون عن مواجهتها في أنفسهم، ولكنني، في اللحظة التي فهمت فيها تلك الحقيقة، أدركت أنني لن أكون أبدًا جزءًا من تلك المعادلة التي تُحاول إرضاء الآخرين على حساب نفسي. لقد اخترت أن أكون وحيدة، لكن وحيدتي كانت مليئة بالحقائق التي لا يدركها إلا من يقوى على مواجهة ذاته. في تلك اللحظات التي كنت فيها جالسة في الظلام، حيث الصمت كان يحيطني كأنني نُسيتُ في عالمٍ آخر، كنت أسترجع كل تلك القرارات التي اتخذتها بمفردي، كلها كانت بمثابة خطوات نحو الحرية الحقيقية. كان الصمت في تلك اللحظات ليس مجرد غياب للأصوات، بل كان صمتًا داخليًا شديدًا، عميقًا، مليئًا بالأفكار التي تتداخل مع بعضها البعض، والتي تتحرك في فضاءٍ واسعٍ من الذات. في هذا الصمت، أصبحت الأشياء تتكشف أمامي كما لو كنت أرى من خلال عيون مختلفة، عيون ترى أعمق من السطح، ترى إلى حيث تكمن الدوافع المخفية والمشاعر غير المُعبَّر عنها. كان كل شيء حولي يحدث، لكنني كنت أراه كما لو أنني أراقب فيلمًا طويلًا يتطور ببطء، وكل مشهد فيه يحمل سطرًا من الحكاية الخاصة بي. كان الصمت هو الأداة التي يمكنني بها أن أقرأ وجوه الآخرين، أفكارهم، والأسرار التي يحاولون إخفاءها عن العالم. صوت كل شخص كان واضحًا لي، لكن ليس بالكلمات التي ينطقون بها. بل بالأشياء التي لا يتجرأون على قولها، ولكنها تُكتب في حركاتهم، في عيونهم، في طريقة وقوفهم أو تحركهم. كنت أستطيع أن أرى كل شيء بوضوح، كما لو كنت أقرأ سطرًا بعد سطر في كتاب لا ينتهي. الصمت كان لي صوتًا قويًا، أكثر من أي كلمة يمكن أن يُنطَق بها. في تلك اللحظات أمام المرآة، كنت أتأمل انعكاسي كما لو كنت أتأمل نفسي لأول مرة. هل أنا غريبة؟ ربما. لكنني أُحب تلك الغرابة. أحب أن أكون بعيدة عن القوالب التي يفرضها الناس، أحب أن أكون متفرّدة في هذا العالم الذي يسعى الجميع فيه للتماهي مع الآخرين، كأننا جميعًا نسعى للاختفاء في المجموع. لكنني، منذ زمن بعيد، قررت ألا أختبئ بعد الآن. لم أعد أرغب في التماهي، بل أرغب في أن أكون أنا، بكل ما أعيشه من تناقضات، بكل تلك الأسئلة التي لا تُجيب عليها الكلمات، بكل تلك الأجزاء التي لا يُمكن فهمها إلا عندما أقرر أنا متى وأين أريد أن أكون. كنت أبحث في عينيَّ في المرآة، وكان كل شيء في داخلي يعكس ما كنت أراه في الخارج. كنت أعلم أنني لا أعيش وفقًا لتوقعات الناس. لا أحاول أن أكون شيئًا يريدونه، ولا أحاول أن أكون جزءًا من صورتهم عني. كنت أعيش وفقًا لرغبتي في أن أكون نفسي، أن أتمسك بهذه اللحظات التي تكون فيها الحياة أعمق من أي كلمة. الجميع من حولي كانوا يسعون للمساعدة أو البحث عن معانيهم في الأشخاص، في المواقف، في الأشياء التي يعثرون عليها في حياتهم، لكنني لم أكن بحاجة لذلك. لقد اخترت أن أكون وحيدة، ولكنني لم أكن فارغة أبدًا. وحيدتي كانت مليئة بالمعاني التي لا يستطيع أحد أن يعثر عليها خارج ذاتي. كل لحظةٍ في وحدتي كانت مليئة بالإجابات التي لم أكن أبحث عنها، كانت مليئة بالسلام الداخلي الذي لم أكن أعرف كيف أصفه للآخرين. كنت أشعر بأنني أعيش حياةً غير تقليدية، حياة فيها الكثير من الحوارات الداخلية التي لا يتشارك فيها أحد معي. كنت أعلم أنني لست بحاجة إلى تفسير أو توضيح لوجودي. وجودي كان كافيًا. وفي النهاية، أدركت شيئًا عميقًا. أنا لست غريبة في نظرهم فحسب، بل أنا غريبة في نظر نفسي أيضًا، ولكن تلك الغرابة هي التي تمنحني القوة. الغرابة ليست في أنني مختلفة عنهم، بل في قدرتي على أن أكون نفسي في هذا العالم الذي لا يعترف إلا بالصور الجاهزة، بالأنماط التي تفرضها الجماعة. الغرابة هي أن أعيش في هذا العالم بينما أنا مختلفة. مختلفة ليس في الشكل فقط، ولكن في الجوهر. في تلك اللحظة فقط أدركت أن قوتي لا تكمن في كيف يراني الآخرون، بل في كيف أرى نفسي، وفي قدرتي على البقاء ثابتة، رغم كل المحاولات لتغييرني. هذه الغرابة هي التي تمنحني القوة. أن أكون غير مفهومة، أن أكون معقدة. في هذه الغربة الداخلية، أعيش قوتي.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    39 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " غُربة في الداخل "