• " الضوء في العُتمة "

    الفصل التاسع: الضوء في العتمة الظلام لا يرعبني، بل في الحقيقة، هو يبعث فيّ نوعًا من الطمأنينة التي لا أجدها في أي مكان آخر. لا يزال هناك الكثير من الناس الذين يرون في الظلام مصدراً للخوف والرهبة، يخافون من المجهول الذي يكمن فيه، من اللحظات غير الواضحة التي تتسلل في الخفاء. لكن بالنسبة لي، هذا الظلام ليس سوى مساحة من الحرية المطلقة، حيث يمكنني أن أكون أنا، دون أن تفرض أي قيود من الخارج. أتعرف إلى نفسي في الظلام، أكثر من أي وقت آخر. أعتقد أن الظلام هو الفضاء الذي يُطلق فيه عقلي وجناني من كل القيود التي تضعها الحياة اليومية. لا ضغوط، لا آراء، لا توقعات… فقط أنا. عندما يركض الآخرون نحو الضوء، كما لو كان هو الخلاص، كما لو أن الضوء هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه أن يكونوا رؤيتهم الحقيقية، أراهم وكأنهم تائهون في بريق وهمي لا يمكنه أن يجيب عن أسئلتهم الداخلية. لكنني، وأنا في الظلام، أجد نفسي كاملةً كما لم أكن أبدًا. في العتمة، لا يمكن لأحد أن يراني كما يتخيلون. أكون أنا في جوهر وجودي، لا عيونهم هي التي تحكم من أكون. كان الظلام دائمًا ملاذًا لي، حيث أفكر وأعيش وأقرر وحدي. كلما اغتسلت في هذا السكون، كلما شعرت بالأصالة التي أمتلكها. في الظلام، لا يكون الصوت سوى صوت أفكاري، وصوت نفسي الذي يعبر عن قوة غامضة وحقيقة عميقة تختبئ بين طبقات عقلي. أحيانًا أشعر بأنني أقوى في الظلام. ذلك الظلام الذي يحيط بي، كما لو كان يعزز قوتي الداخلية، يعمق من معرفتي بذاتي، يساعدني على أن أكتشف المزيد عن كل تفصيلة صغيرة تشكلني. الناس يظنون أنني أخاف من الظلام، ولكنهم لا يعلمون أنني أختبئ فيه لأجد نفسي. في الوقت الذي يحاول فيه الجميع الهروب منه، أظل هناك، حيث لا يستطيع أي شيء أن يتسلل إلى عقلي أو يؤثر على روحي. في العتمة، لا يمكن لأي شيء أن يخترق سكوني الداخلي. وهذا ما يجعلني أكثر قوة، لأنني في تلك اللحظات أعيش من خلال نفسي فقط، أعيش بدون أقنعة، بدون أن أكون مدفوعة بأي رغبات خارجية. الظلام بالنسبة لي هو مكان للصفاء العقلي، حيث أسمح لذاتي بأن تتنفس بحرية، حيث أترك للأفكار التي تلمع في عقلي الفرصة لتتجسد دون أن يعترضها أي تأثير خارجي. في تلك اللحظات التي يتسلل فيها الظلام إلى حياتي، أدرك أنه لا يمكن لأي شيء خارجي أن يحدد من أكون. في الظلام أكون من أريد أن أكون. أكون تلك الأنثى التي تملك مفاتيح عالمها الخاص، التي تعرف كيف تتحكم في تفاصيل حياتها الدقيقة دون أن تحتاج إلى أن يُخبرها أحد ما يجب أن تفعله أو كيف يجب أن تكون. أنا لا أحتاج إلى الضوء لكي أكون حقيقية. في الظلام، يصبح كل شيء أكثر وضوحًا، لأنني أرى الحقيقة بعيوني الخاصة، بدون تشويش أو تدخل من أحد. في العالم الذي يهرب فيه الجميع من المجهول، من الغموض الذي يحيط بهم، أجد نفسي أعيش في هذا الغموض. أستمتع به، أعتنق الظلام كجزء من ذاتي التي لا يمكن لأي شخص أن يصل إليها. في الظلام أكون أكثر حيوية وأكثر أناقة من أي وقت مضى، لأنني أعيش في مساحة ليس فيها مكان لأي شخص سوى نفسي. الغموض، في جوهري، ليس شيئًا مخيفًا، بل هو الجزء الذي يجعلني ساحرة. كلما جربت الناس الهروب من أنفسهم، محاولة الهروب من غموضهم الداخلي الذي لا يفهمونه، أرى فيهم الرهبة من المجهول. لكنني، وأنا في الظلام، تعلمت أن هذا المجهول ليس سوى مساحة للتعبير عن كينونتي الحقيقية. فيه أتمكن من أن أكون الأنثى بكل أبعادها، بكل قوتها وغموضها وجاذبيتها الطاغية. الظلام لا يجعلني أخاف، بل يعطيني القدرة على أن أكون أكثر سحرًا، أكثر نفوذًا. الظلام ليس هو العدو، بل هو الملاذ الذي أجد فيه نفسي بعيدًا عن ضوضاء العالم الخارجي. هو المساحة التي أعيش فيها كأنثى متكاملة، لا يحق لأحد أن يفرض عليها ما يجب أن تكون عليه. في الظلام، يكون لي الحق الكامل في أن أكون، بلا أحكام، بلا قيود. أنا في الظلام أعيش حريتي، حيث يمكنني أن أتنفس كما أريد، أن أفكر كما أريد، وأن أكون كما أريد. وكلما شعرت أن الناس يركضون نحو الضوء، يهرعون في محاولاتهم الفاشلة للتخلص من قلقهم وقلوبهم المثقلة بالأسئلة التي لا يجدون لها جوابًا، أكتشف أنني في الظلام أمتلك الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يأخذها مني. أنا في الظلام أكثر إشراقًا من أي وقت مضى. في النهاية، كما هو الحال مع كل شيء في الحياة، لا بد أن يأتي الضوء، ولكنني في تلك اللحظة التي يظهر فيها، لن أكون بحاجة إليه. لأنني قد تعلمت في الظلام أن أكون نفسي، وتعلمت أن الضوء الذي يراه الآخرون ليس هو الضوء الذي يعكس روحي. وفي تلك اللحظات التي يظن فيها الجميع أنني أختبئ، أكون قد تعلمت أن الظلام هو الضوء الذي يعكس حقيقة وجودي، حيث أكون أنا بكل تفاصيل أنوثتي وقوتي وجمالي الذي لا يمكن أن يدركه سوى من يجرؤ على النظر إليه بصدق. الظلام ليس هو العدو، بل هو الملاذ الذي يجمع بين الغموض والجاذبية، وبين القوة الكامنة والهدوء العميق. في الظلام أكون حية، أكون أنا، دون أن يهمني ما يظنه الآخرون.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    53 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " الضوء في العُتمة "