" العُيون التي ترى في الظَلام "
Jan 13, 2025 10:05 AM Jan 13, 2025 10:05 AM
الفصل العاشر : العيون التي ترى في الظلام بينما كان العالم يمضي بحركاته المتسارعة، كنتُ في مكان بعيد عن زحامهم، في مساحة لا تُرى، حيث يسود الصمت الذي يمنحني رؤية واضحة كما لم يظنوا يومًا. يتسابقون وراء أهدافهم، يتنقلون بين المظاهر والسراب، يعتقدون أن الفرح يأتي من تجميع اللحظات الظاهرة، لكن الحقيقة التي أعرفها جيدًا هي أن هذا السباق بلا نهاية. كنت جالسة هناك، في زاويتي الهادئة، أراقبهم بهدوء كما تراقب العيون العميقة شيئًا يفلت من الانتباه. وهم، في جريهم السريع، يظنون أنهم يقتربون من شيء ثمين، بينما في الحقيقة، هم يبتعدون عن الجوهر كلما ركضوا أكثر. هم يظنون أنهم يعرفون الحقيقة، لأنهم يرونها بأعينهم. لكنهم لا يعرفون أن البصر ليس هو الرؤية، وأن الحقيقة لا تظهر في السطح أبدًا. كل واحد منهم يظن أنه قد وصل إلى نقطة الفهم، لكن ما لا يدركونه هو أن كل خطوة يتخذونها نحو ما يسمونه “المعرفة” هي في الحقيقة خطوة نحو المزيد من الضباب. لأنهم لا يعرفون كيف يرى الظلام. الظلام الذي لا يخافه القلب الحاد، بل يحتفظ فيه بكل ما هو عميق وصادق. كنت في زاويتي المظلمة لأحد المقاهي، والظلام بالنسبة لي كان يحمل في طياته أكثر مما يمكن أن تحمله الأضواء. في الظلام، لا أحد يمكنه أن يقرأك كما يقرأك في النور، ولا حتى أنت نفسك. في الضوء، يظن الجميع أنهم يعرفونك بناءً على الظاهر، بناءً على ما يراه الناظر. ولكن الحقيقة لا تظهر للعيون السطحية. عيناي، اللتين تعودتا على رؤية أكثر من مجرد الوجوه، كانت تراقب الحشود في الخارج، وكانت الأضواء تعكس صورًا مزيفة لمشاعر عابرة. كل واحد منهم يحاول أن يظهر بأفضل صورة، بينما في الحقيقة، هم في صراع داخلي لا يراه أحد. إنهم يخشون العيش بصدق، لأن ذلك يعني أن يواجهوا ظلامهم الداخلي الذي لا يستطيعون الهروب منه. وفي ذلك الظلام، حيث لا يمكن للأضواء أن تخدعهم، حيث تكون الرؤية واضحة بلا نقاب، كان هناك شيء أعمق من السطح، شيء يعجز الجميع عن إدراكه. كنت أستمع إلى أصواتهم، لكنني لم أسمعهم حقًا. ضحكاتهم، كلماتهم، كل شيء حولي كان يبدو كزخرفة على سطح ماء راكد. صوت الحياة كان يملأ الأجواء، لكنه لم يكن أكثر من مجرد صدى بعيد لصوت لا يعبر عن شيء حقيقي. الأصوات التي تتناثر في الهواء ليست سوى محاولة فاشلة للتغطية على الفراغ الذي يشعرون به داخليًا. كنت أراهم بأعين لا تنخدع، عينان تعودتا أن ترى ما وراء الأقنعة التي يرتدونها. في ذلك المدى الذي لا يمكن أن يصل إليه الجميع، كنت أرى الصراعات الخفية، الجروح التي يخفونها، والندوب التي لا يمكنهم حتى الاعتراف بها لأنهم يخشون أن تكشف عن هويتهم الحقيقية. ثم جاء إليّ شخص، كان صوته يرتفع وسط الزحام، يتحدث عن أمور الحياة، عن الحب والقدر والزمن، ولكنني لم أكن أستمع حقًا. كانت كلماته تتلاشى في هواء المكان، تشبه أصوات موسيقى خفيفة لا تمس شيئًا عميقًا في الروح. لم يكن هناك ما يقوله يستحق انتباهي. كنت أرى ما وراء كلماته، ما وراء حديثه المتكرر عن الحياة والعالم الذي يظن أنه يفهمه. كنت أقرأ في صمت الكلمات التي لم تكن تقال، وأشعر بأنني في عالم آخر لا يمكنهم أن يصلوا إليه. وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لا أستطيع أن أكون جزءًا من هذا العالم المليء بالضوضاء. العالم الذي يسير كما لو أنه عالق في دائرة مغلقة، يتكرر فيه نفس المشهد مع كل يوم جديد. كل خطوة جديدة تبدو وكأنها تذهب إلى نفس النقطة. لذلك، كنت أخلق حاجزًا بيني وبينهم، حاجزًا ليس ماديًا، بل هو حاجز عقلي وروحي. حاجز لا يمكنهم اختراقه، لأنهم ببساطة لا يمتلكون العيون التي ترى في الظلام. لا يمتلكون القدرة على فهم ما لا يُرى، على قراءة ما هو أبعد من الملموس. “العين التي ترى في الظلام لا تخشى الضوء، لأنها تدرك أن الحقيقة لا تنبثق من السطح، بل من الأعماق.” فالعين التي اعتادت أن ترى في الظلام لا تحتاج إلى ضوء لكي ترى الحقيقة، لأنها تفهم أن في الظلام يكمن جوهر الأشياء. في الظلام، لا تخشى الأرواح الخفية أن تبرز، لأنها تعلم أن الحقيقة أعمق من أن تكشفها الأضواء المراوغة. الظلام هو المكان الذي تجد فيه نفسك، بعيدًا عن التوقعات والضغوط، حيث لا شيء إلا الحقيقة التي تختار أن تضعها أمامك، بعينين تريانها بوضوح شديد. لقد اخترت أن أكون هناك، في الظلام، حيث لا شيء يشتتني. اخترت أن أرى بعيدًا عن الأضواء، بعيدًا عن الضجيج، لأنني أعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى أن تُعلن. الحقيقة لا تحتاج إلى ضوء لكي تبرز؛ هي دائمًا موجودة، موجودة في الأعماق، في تلك الأماكن التي لا يستطيع أحد الوصول إليها إلا من تعلم كيف يراها في الظلام.


الكاتب: bionco
0المفضلة
22 المشاهدات
0 تعليقات