• " الرمَاد الذي يتاطير في الريّاح "

    الفصل الحادي عشر: الرماد الذي يتطاير في الرياح ذات ليلة، جلست وحيدة في شرفتي، حيث كانت السماء تنبض بالظلام الذي يعكس أعماقي. كان السكون يحيط بي كعباءة ثقيلة، تغلف جسدي وروحي، وكأن الزمن قد توقف ليمنحني لحظة من الاستراحة في عالم آخر، حيث لا ضجيج ولا معوقات. كان كل شيء حولي ساكنًا، هادئًا لدرجة أنني شعرت وكأنني أنفصل عن الواقع، وأتسرب إلى مكان بعيد، حيث لا شيء يفرض نفسه عليّ. في تلك اللحظة، أغلقت عيني، ليس هروبًا، بل لكي أسمح لعقلي بأن يسرح في ممرات الذاكرة. كنت أسترجع الماضي، أتأمل فيه، وأفكر في المستقبل الذي كنت على وشك أن أواجهه. ما الذي يجعلنا نتخذ قراراتنا؟ تساءلت في نفسي. هل هو الوعي بما نحن عليه؟ أم هو مجرد رغبات عابرة تدفعنا للأمام؟ في ذلك الصمت، كنت أشعر بتلك اللحظة العميقة من الفهم التي زرعتها في نفسي طوال السنوات الماضية. كل لحظة، كل قرار، كان ينسج خيوطًا في نسيج حياتي، وكأنني كنت أكتب نصًا لا يمكن لأي أحد أن يغير مساره. لم يكن هنالك ندم، لأنني كنت قد اخترت كل شيء بعقلي، حتى عندما كانت الطرق مليئة بالأشواك. لقد اخترت بكل وعي، بكل عقلانية، بكل شجاعة. ورغم أنني كنت أخفي مشاعري عن الجميع، كنت أعلم أنني لست في حاجة لإظهارها. كانت قوتي تكمن في قدرتي على تجنب السطحية، في قدرتي على السيطرة على ما يراه الآخرون على أنه ضعف. أنا لا أعيش في ضوء الآخرين. كنت أعي تمامًا من أكون، أفتش في أعماق نفسي كأنني أبحث في كتاب قديم لا يعرفه سواي. أدركت أن الحياة بالنسبة لي لا تتعلق بالظهور أو المحاكاة. الحياة هي رقصة داخلية، رقصة لا يشارك فيها إلا العقل، فقط العقل. وكل خطوة كنت أخطوها كانت تحمل بصمة فكري، وكل موقف كنت أتعامل معه كان يوثق طريقًا جديدًا أتجه فيه بنفسي، أنا فقط. حتى في عزلة تلك اللحظات، لم أشعر بالوحدة. بل كنت أستمتع بها. كانت الوحدة عشيقتي، معلمتي. علمتني أن القوة لا تكمن في الجموع، بل في القدرة على أن تسير بمفردك في الطريق الذي تختاره. كنت أفكر في هذه الوحدة كقوة، ليس عيبًا. كانت قوة ذاتية تَكمن في القدرة على أن تكون أنت، دون أن يمدك أحد بقوة أو بوجود. الوجود كان لديَّ منذ البداية، ولم أكن بحاجة لأي تأكيد من الآخرين. كنت أخلق نفسي في كل لحظة، وكان ذلك يكفي. كان الطريق الذي اخترته هو طريق الهدوء الداخلي، حيث لا شيء يتسلل إليه من الخارج. الوحدة أصبحت غنى داخلي، رافقتني بكل تفاصيلها، واحتفظت بها كأعظم هدية قدمتها لنفسي. وفي تلك الليلة، بينما كانت الرياح تعزف لحنها الخافت، كنت أفكر في تلك اللحظة التي تغيرت فيها نظرتي للحياة. كانت لحظة حزينة، مؤلمة، لكنها كانت في الوقت ذاته لحظة هائلة من التحول. لحظة ضياع، لكنها كانت بريقًا من النور في عتمة اللحظات الصعبة. شعرت، في تلك اللحظة، بألم عميق يلامس قلبي، لكنني أدركت شيئًا عظيمًا. أن الحزن ليس النهاية، بل هو نقطة تحول. نهاية مرحلة، وبداية جديدة. كنت قد وجدت في الحزن نافذة لعالم آخر، عالم مليء بالإمكانيات، حيث يمكن أن أكون أكثر قوة، أكثر نضجًا. كنت أدرك أنني لست بحاجة إلى أن يكون أحدهم جزءًا من حياتي ليمنحني المعنى. أنا قادرة على أن أكون كاملة، فقط أن أكون نفسي، وحينها، لا أحتاج إلى أي مصدر آخر لإضاءة طريقي. لقد فهمت أن الحياة ليست سوى سلسلة من الحظات التي تعلمنا خلالها كيف نكون أكثر تكاملًا. نحن لا نملك السيطرة على الألم، لكننا نملك السيطرة على كيفية مواجهته. في تلك اللحظة، بدأت أتقبل أن ما مررت به لم يكن سوى عملية صقل، كالنار التي تذيب المعدن لتصنع منه سبيكة أقوى. كانت تلك الذكريات، تلك اللحظات التي أثقلت قلبي، تشبه الرماد الذي يتطاير في الرياح، تطاير في الفضاء، ليترك وراءه أرضًا صلبة جديدة. الذكريات أصبحت أجزاءً من ماضي، شظايا في الريح، وأصبحت أكثر خفة، أكثر هدوءًا. علمت أن الحياة ليست أبدًا كما نريدها. نحن لا نملك السيطرة على كل شيء. لكننا نملك القدرة على التكيف، على التغيير، على أن نصبح شيئًا آخر أكثر قوة وأكثر حكمة. الألم، بكل قسوته، هو الذي يصنع القوة الصامتة التي لا يمكن كسرها. الدنيا تأخذ منا، لكننا نعود دائمًا أقوى، أقوى مما كنا عليه. كما يبتلع النار الرماد، ينبعث من داخله شيء جديد. الدموع التي تسقط على الأرض تتبخر في النهاية، لتترك وراءها قوة جديدة، قد لا نراها في البداية، لكنها هناك. لا يمكن لأي شيء أن يوقفها. “لقد تعلمت أن كل رماد يتطاير في الرياح، يحمل بداخله نارًا جديدة، نارًا تضيء الطريق.” النار التي لا تُطفأ أبدًا، والتي تضيء لنا كل ما كان مظلمًا، تجعلنا نرى الحقيقة بعيون جديدة.

    الكاتب: bionco

    0المفضلة

    12 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • " الرمَاد الذي يتاطير في الريّاح "