• مدينه لم تبني الا في خيالي

    في المساء، الشاب كان يقف عند أطراف مدينته، حيث لا تزال الرياح تحمل أصواتًا خافتة تشبه الهمسات التي تروي قصة المكان. كان الظلام قد التهم كل شيء، إلا تلك المصابيح المطفأة التي وقفت كشاهدة صامتة على ما حدث. لم يكن بحاجة إلى السؤال عن السبب؛ كل زاوية من المدينة، كل ركام متبعثر، كان يتحدث بصوت لا يسمعه أحد سواه. وقف هناك، كما لو أن قدميه التصقتا بالأرض، ينظر إلى الساحة المركزية التي كانت يومًا تعج بالحياة. كان يستطيع أن يتذكر أصوات الأطفال وهم يركضون بين الأشجار، وأغاني الباعة الذين كانوا يملأون الشوارع بألوانهم. الآن، كان كل شيء مختلفًا. حتى الهواء بدا وكأنه يحمل عبئًا لا يطاق. كان يعلم أن المدينة لم تسقط في يوم وليلة. لا شيء بهذه الضخامة ينهار فجأة. لا، كان الانهيار تدريجيًا، مثل الماء الذي ينحت الصخر ببطء. تذكر وجهها، الملكة التي جعلته يرى مدينته بطريقة لم يراها بها من قبل. كانت تبتسم، وتعده بأن هذا المكان سيكون حصنهما الذي لن يهدمه شيء. لكنه لم يكن يعلم أن الحصن الذي بناه كان يحترق من الداخل. تسألني، يا صديقي: "ماذا حدث؟". أجيبك: المدينة كانت ساحة معركة لمعارك لم يرها أحد. كانت هناك حرب، لكن لم يكن فيها جنود أو أسلحة. كانت حربًا بين قلبه وعقله. كل كلمة كانت قذيفة، كل صمت كان حصارًا. وكلما حاول الشاب إنقاذ مدينته، كانت الملكة ترسم حدودًا جديدة، أقرب فأقرب من قلبه، حتى لم يبقَ له شيء. في أحد الأيام، وقف أمامها في وسط الساحة، حيث كان الظلام قد بدأ يتسلل إلى شوارع المدينة. قال لها بصوت مرتعش: "لماذا؟ لماذا كل هذا الدمار؟". نظرت إليه بعينين لم يعد يعرفهما، وقالت بهدوء: "لأنك بنيت هذه المدينة لنفسك، وليس لنا". كانت كلماتها مثل السكين، لا لأنها قاسية، بل لأنها كانت الحقيقة التي لم يرد أن يراها. الآن، كان يقف وحده. لم يكن هناك أحد يلومه، ولم يكن هناك أحد يلومه هو أيضًا. لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من التساؤل: هل يمكن أن يُعاد بناء المدينة؟ أم أن الحب، حين يموت، يدفن تحت أنقاضه كل ما كان جميلًا؟في صباح اليوم التالي، حين كانت الشمس تحاول اختراق غيوم الشتاء الرمادية، قرر الشاب أن يسير في شوارع مدينته للمرة الأولى منذ أن أصبحت أطلالًا. لم تكن هذه المدينة مجرد مكان بالنسبة له، كانت خريطة ذكرياته، وسجلاً لكل ما كان يؤمن به. لكنه الآن يسير وسط الفراغ، بين الأشجار المكسورة والأبواب التي لم تعد تقود إلى شيء. بينما كان يمشي، سمع صوت خطوات خلفه. التفت سريعًا، ليجد رجلًا غريبًا يقف هناك. كان مظهره بسيطًا، معطف طويل ورأس مغطى بقبعة سوداء. لكن الغريب لم يقل شيئًا، فقط نظر إليه بابتسامة غامضة. "من أنت؟" سأل الشاب بصوت خافت. أجاب الغريب بعد لحظة صمت: "مجرد مسافر، مثل كل من مر هنا." "لماذا أنت هنا؟ هذه المدينة لا تحمل شيئًا لأي غريب." ضحك الرجل، لكنه لم يكن ضحكًا مليئًا بالفرح. "المدن تحمل دائمًا قصصها، يا صديقي. وأنا أجمع القصص. ما قصتك؟" نظر الشاب إليه مطولاً، ثم قال: "قصتي؟ هي ليست قصة؛ إنها مجرد فوضى." اقترب الغريب بخطوة، وعيناه كأنهما تقرآن أفكار الشاب. "لكن الفوضى هي البداية لكل شيء عظيم. أخبرني، من كانت هي؟" توقف الشاب، كأن الكلمات كانت عالقة في حلقه. كيف يمكن أن يختصر كل ما كان يشعر به في جملة واحدة؟ "كانت المدينة." أومأ الغريب ببطء، كأنه توقع الإجابة. "أحيانًا، يا صديقي، نحب الأماكن لأنها تعكس من نحن. لكن عندما يتغير من نحب، تتغير مدينتنا معهم. أخبرني، هل دمرتها أنت؟" أجابه الشاب بنبرة دفاعية: "لا! لم أفعل. حاولت أن أحافظ عليها، أن أبقيها كما كانت." ابتسم الغريب ابتسامة مليئة بالغموض. "أحيانًا، عندما نحاول أن نحافظ على شيء، نخنقه دون أن ندري. أخبرني، هل كانت مدينتك مكانًا لها أم لك؟" لم يعرف الشاب كيف يجيب. ظل ينظر إلى الأرض، يبحث عن معنى في كل ما حدث. "إذا كنت تريد إعادة بناء مدينتك، عليك أولاً أن تفهم كيف انهارت. وهذا لا يبدأ بها، بل يبدأ بك." وقبل أن يسأل الشاب المزيد، كان الغريب قد اختفى، وكأنه لم يكن موجودًا أبدًا. " مرّت الأيام، وأصبحت المدينة أقل ظلامًا. لم تكن كما كانت من قبل، لكنها كانت تعود إلى الحياة بطريقة مختلفة، وكأنها تعلمت كيف تنبض رغم الجراح. كان الشاب قد بدأ في بناء جسور جديدة، ليس فقط في مدينته، بل داخل نفسه. لكن، كما هي العواصف التي تأتي بلا إنذار، عاد الغريب. هذه المرة، لم يكن يقف في الظل كما فعل في المرة السابقة، بل جاء في وضح النهار، يطرق على باب الشاب الذي كان قد أصلحه حديثًا. "ألم تنتهِ بعد؟" سأل الغريب وهو يتكئ على عتبة الباب، يحمل في يده شيئًا مغطى بقطعة قماش سوداء. "ماذا تعني؟" سأله الشاب، مستغربًا من هذا الظهور المفاجئ. "إعادة بناء المدن ليست بالأمر السهل. لكنك الآن في منتصف الطريق فقط. السؤال الحقيقي هو: هل تعرف ماذا ستفعل بالمدينة حين تُعيد بناءها؟" تجمد الشاب في مكانه. لم يفكر بهذا من قبل. كان مشغولًا بالركام والجدران المتصدعة، لكنه لم يسأل نفسه أبدًا ما الشكل الذي يريد للمدينة أن تأخذه. "لا أعرف بعد." ضحك الغريب مجددًا، ثم أشار إلى الشيء الذي يحمله. "ربما هذا يساعدك." مدّ يده وقدم له القطعة المغطاة. أخذها الشاب بحذر، ورفع القماش ليجد مرآة صغيرة، حوافها خشبية قديمة، ويبدو أنها تحمل وزن سنوات طويلة. "ما هذا؟" قال الغريب بصوت هادئ: "إنها مرآة الحقيقة. لا تُظهر لك صورتك فقط، بل تعكس ما في داخلك. انظر إليها وستعرف ما تحتاج إليه مدينتك." تردد الشاب للحظة، لكنه نظر في المرآة. في البداية، لم يرَ سوى وجهه الشاحب وملامحه المرهقة. ثم بدأ المشهد يتغير. رأى المدينة، لكنها لم تكن كما تركها. كانت نابضة بالحياة، مليئة بالألوان. رأى أطفالًا يركضون، وأشخاصًا يتحدثون ويضحكون. كانت هناك أغانٍ تُسمع من النوافذ المفتوحة، وكان الهواء نقيًا، خاليًا من البارود. لكن وسط كل ذلك، رأى نفسه وحيدًا، يقف في الزاوية، يراقب كل شيء من بعيد. "لماذا أنا لست معهم؟" سأل الغريب، وهو يشعر بوخزة في قلبه. قال الغريب: "لأنك لم تسمح لنفسك بأن تكون جزءًا من المدينة. أنت تبنيها، لكنك لا تعيش فيها. وما لم تفعل، ستظل المدينة دائمًا ناقصة جلس الشاب بجانب نافذته، يراقب السماء. كان يحمل المرآة بين يديه، وكلماته الغريب تتردد في ذهنه. لم يكن بناء الجدران كافيًا. لم يكن صنع الذكريات الماضية أو إصلاح الأطلال هو الحل. كان عليه أن يتوقف عن النظر إلى المدينة كشيء خارجي. كان عليه أن يكون جزءًا منها، أن يسمح لها بأن تصبح امتدادًا له وليس مجرد صورة لذكريات من رحلت. في الصباح التالي، قرر الشاب أن يتغير. بدأ بفتح الأبواب المغلقة، دعوة الآخرين للدخول، وبناء المدينة معهم، لا بمفرده.مرت شهور عديدة، تغيرت فيها المدينة كما تغير الشاب. لم يعد ذلك الفتى الذي يبحث عن ماضٍ ضاع، بل أصبح رجلاً يعيد بناء الحاضر بيديه، يزرع الزهور بدلًا من الحطام، ويجمع الناس بدلًا من أن يبقى وحيدًا. لكن ذات ليلة، وبينما كان يقف على تل يطل على المدينة التي بدأت تستعيد ملامحها، شعر بنسيم يحمل معه ذكرى. صوتٌ هامسٌ في أذنه: "هل ستغفر لي؟" التفت، ولم يكن هناك أحد. لكن في داخله، كان يرى صورتها. الملكة. لم تكن بزيّها الملكي، بل كانت تلك الفتاة التي عرفها أول مرة، بسيطة، وصادقة. "لماذا تظهرين الآن؟" سألها، أو ربما سأل نفسه. "لأنك مستعد الآن،" جاء الرد من أعماق قلبه. "لم أعد ملكة هنا. لم أعد قادرة على التحكم في شيء. أنا فقط ذكرى، جزء منك." وقف الشاب صامتًا. بدا وكأنه يخوض حوارًا مع روحه. ثم قال: "لقد دمرتِ المدينة... وأنا سمحتُ لك بذلك. لكنني لست هنا لأحاكمك. أنا هنا لأفهم." "أحيانًا، يا صغيري،" جاء الرد، "نحن نهدم ما نحب لأنه يعكس ضعفنا. أنا لم أكن أملك القوة لأحميك أو أحمي نفسي. لذلك اخترت الحرب بدل الحب." أغمض الشاب عينيه، وشعر بثقلٍ يُرفع عن قلبه. "وأنا اخترت أن أضعك فوق كل شيء، حتى نفسي. لكنني الآن أفهم. المدينة كانت انعكاسًا لحبي، وحطامها كان انعكاسًا لصراعنا." فتح عينيه، وكانت المدينة أمامه، جميلة، مضيئة، مليئة بالحياة. ولم يكن هناك أثر للملكة. لكنها لم تكن بحاجة للوجود وفي وسط هذا كله، أدرك شيئًا مهمًا: المدينة لم تكن فقط ملكة تسكن داخله. لقد كانت فرصة، فرصة لأن يكون هو الملك الذي يبني مملكته على أسسٍ جديدة، أسسٍ قائمة على الحرية والحب المتبادل، لا على التملك.

    الكاتب: عمر

    0المفضلة

    31 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    سرد حب الذات 

التعليقات (0)

المزيد من عمر

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مدينه لم تبني الا في خيالي