ليس بعد، ابق!
Jan 17, 2025 11:24 PM Jan 17, 2025 11:24 PM
البارِحَة، جَذَبَتْ انتباهي صورتُكْ،في منزِلِ أُمّي، كالعادة. تأمّلتُكَ والبادجاتُ معلّقَةٌ على صدرِك. لاأدري لماذا أَطَلْتُ النّظَرَ إليُكَ هذه المرّة. اليومْ، وأنا أقودُ سيّارتي، تذكّرتُ الصورَةَ نفسها. وأيضاً، تذكّرتُ مشيَتَكْ، وأنتَ ترتدي ثوْبَكَ الأنيق، وشماغَكَ الأحمر، وعِقالَكَ العريض، وذِراعيْكَ خلفَ ظهرِك، والسُّبحَةُ الفيْروزّيّةُ مُتَدَلِّية من احدى يديْك. غريب، دائماً هيأتُكَ هذه تحديداً تُباغِتُ مخيِّلتي، بدونِ مقدّمات. الأغربُ أنّها اليوم استوقفتني مُدّةً أطوَل، وخالطتْها بعضُ المشاعِر. عندها، اتّسَعَت عيْناي، قلت، "كم افتقدتُك!". افتقدتُ المَشْيَ بجانِبِكْ، في الطريق، في الأروِقَة، في أكثَرِ الأماكِنِ ازدحاماً، وأنا لا أُعِيرُ اهتماماً لأحَدٍ سواكْ، أنتْ، ومشيتِكْ. كُنتَ أنتَ (أنْتْ) عندما تمشي! تَصُفُّ سيّارَتَكَ على الجانِبِ الآخرِ من الطريق، تُمسِكُ يدي، وتعبُرُ بِيَ الشارع. كم افتقدتُ يَدَكَ المُمسِكة بيدي! وعندما ننتهي من مشوارِنا ونعودُ للسيّارة، تُشَغِّلُها، مازالَ صوتُ طنينِ جهازِ تشغيلِ سيّارتِك في أُذُني، وكأنّني الآنَ بجانِبِك وأنت تقودها. تَضَعُ يَدَكَ في كيسِ التمْرِ بجانِبِ مقعدِ السائق، تلتَقِطُ واحدةً لنفسِك، وتناولني أُخرى. افتقدتُ تمراتك! أفتَقِدُ عندما تكونُ تشاهِدُ الأخبار، جالساً على الأرض، متّكِئاً وسادتَك، وإبريقُ الشايِ بجانِبِك، تنظُرُ أمَامَكَ في هدوء. أُقبِلُ عليكَ متمنِّياً لكَ أمسيةً سعيدة، وأطبعُ قُبلةً على خدِّكَ المحلوق الذي كان دائماً يشوِّك. تمسَحُ فَمَكَ بيدِك، وتطبعُ أنتَ قُبلَةً على خدِّي، وترمقني بنظرةٍ سريعة من خلفِ نظّارتِك السميكةِ الإطار. هذا ماكانَ يحدُثُ كُلَّ يوم، حينَ كنتَ مازلتَ معي. لم أكن أعلم أنّكَ يوْماً ما لن تكونَ معي! كُنتُ في الخامسة والعشرين عندما رحلت، كنتُ أحسبني رجلاً، وهاأنا أُدرِكُ الآنَ أنني كنتُ صغيراً، صغيراً جداً. أنا الآن أدركُ شيئاً آخر، يامن ذهبت، أنني لم انتهِ منكَ بعد، أنني مازلتُ بحاجةٍ إليْك، أنني أفتقِدُ (كُلَّ شيءٍ) فيك، ومعك، وبِك. ليْتَكَ بقيتَ أكثر، ليتَكَ مازلتَ معي. بِكُلِّ براءَةِ الطفلِ الذي مازالَ بداخلي، تخيّلتْ، ماذا لو أنَّكَ الآنَ معي؟ ومالذي أُريدُ أن أقولَه لك؟ وأَخَذَني هذا الخيالُ الجميلُ معه.. وهاأنت الآنْ، تجلِسُ بجانبي! أو، أنا من أجلِسُ بجانِبِك. أُشاهِدُ التلفازَ معكْ، وأنت (أنت) كعادتِك، تنظُرُ للأمامِ بهدوء. الآن، هنا، أريدُ أنْ أفعَلَ معَكَ (كُلَّ شيء)، قبلَ أن تذهَبَ مرّةً أُخرى! ماذا أفعلْ؟!؟ يَجِبُ أنْ أُسرِعْ، يَجِب!!! نعم!، أريدُ أن أنظُرَ إليْك، أن أتأمّلَك. أريدُ أن أتحسَّسَ أنامِلَك، أن ألْمَسَ خدَّك، أن أشُمّ رائحَتَك. أريدُ أن أتحدّثَ معك، نعم!، أن أتحدّثَ طويلاً جداً إليْك. أن تشاركني من خلالِ حديثي عن أمي، زوجتُك، فخري بها. فقد نَقَصَ وزنُها وزانَ حالُها. أريدُ أن أخبركَ كم رائعٌ هو أحمدْ أخي، ابنُك، فأنتَ أردته رجلاً، وهو نِعْمَ الرّجُل. أريدُ أن أقُصّ عليكَ ماشاركتني به اختي، ابنتُك، البارحة من معلوماتٍ عن الاقتصاد. كم كَبُرَتْ!، كم أصبَحَتْ نورة (أنتْ)، في ثقافتِكَ وحِنكَتِك، وفي هدوءك الجميل. أريدُ أن أُرِيكَ صُوَرَ أحفادِك!، فقد أصبَح لديْكَ زهرة وأحمد ويوسف. فـ افخر، واضحك، والقِ بهمومِكَ جانِباً، وتأمّل صورهم معي. أسمِعنِي صوتَ ضِحكَتِك، كم اشتقتُ لسماعِها! عندها، (في هذه اللحظة)، أدركتُ انني مازلتُ أقُودُ سيّارتي، وأنّكَ لستَ معي! أفقتُ من مخيِّلَتي، ارتطمتُ بالواقعْ، أم هُوَ من ارتطم بي. أعودُ بمخيِّلَتي إليْك، وأنتَ تلبِسُ ثوْبَكَ الأنيق، وتَضَعُ شماغَكَ الأحمر، وعليه عقالكَ العريض، وتَهُمُّ بالرحيل.. أقول لك: "ليسَ بعدْ، ابقَ!"


الكاتب: محمد كعكي
0المفضلة
29 المشاهدات
0 تعليقات