بين القراءة والمكملات الغذائية
Jan 18, 2025 07:48 AM Jan 18, 2025 07:48 AM
أخبرني أحد الأصدقاء بأنه كان مدمنًا على مشاهدة التلفاز؛ أخبارًا وتقارير ومسلسلات وأفلامًا وبرامج متنوعة، وفي أحد الأيام حصل خلل في جهاز استقبال القنوات الفضائية (الرسيفر) في منزله، ولم يكن لديه شيء آخر يفعله.. فاتجه إلى مكتبته العتيدة التي لولا الشغالة لعلاها الغبار.. فتناول كتابًا وبدأ في قراءته. وكان من حسن حظه أن كان كتابًا شيقًا فأنهاه في ليلته.. هذا الموقف يحصل مع الكثيرين من أبناء مجتمعنا الذي يشترون الكتب أو يحصلون عليها، لكنهم لا يقرؤونها إلا في (النوائب)، كنائبة الرسيفر التي ذكرنا.. لذلك فإننا لا نستغرب عندما نقرأ الأرقام المحزنة عن نسب القراءة في عالمنا العربي.. كتلك التي تقول بأن الشخص العربي يقرأ ما بين 7 و10 دقائق في العام الواحد، أو أن (المعدل العالمي السنوي للقراءة لدى الفرد الواحد يصل إلى أربعة كتب وفي أمريكا إلى أحد عشر كتابًا وفي إنجلترا سبعة كتب أما في العالم العربي فربع صفحة للفرد). كما لا نستغرب عندما نعلم بأن ما تستهلكه إحدى دور النشر في فرنسا -وهي دار نشر باليمار- في سنة يساوي ما تستهلكه جميع دور النشر العربية. والحقيقة أن التقنية الحديثة باتت مغرية جدًا إلى درجة كبيرة سحبت معها البساط من تحت أقدام الكتب.. الكتب التي تربى عليها أكثر العلماء والكتاب والمفكرين.. صحيح أن الوسائل الحديثة؛ مثل التلفاز والكمبيوتر وغيرهما، يمكن أن يستفيد منها المرء في زيادة حصيلته العلمية والثقافية، لكن تبقى للكتاب قيمته وأهميته في بناء أساسات العلوم لدى كل منا.. فالعلم الحقيقي لا يأتي إلا بالجهد، أما العلوم التي تأتي سهلة من جريدة أو مجلة أو من برنامج تلفزيوني أو محاضرة عابرة، فرغم أهميتها، إلا أنها تبقى مكملات ثقافية ليس إلا، كما المكملات الغذائية التي تؤكل أو تشرب من أجل سد نقص غذائي ما في جسم الإنسان، ولا يمكن أن يكتفى بها بديلًا للأغذية الأساسية.. وكما أن الاعتماد الكلي على المكملات الغذائية يؤدي في النهاية إلى مشكلات صحية وإلى خلل في بنية الجسم، فإن الاعتماد على المكملات الثقافية، كاستقاء العلم من جريدة ومجلة وبرنامج تلفزيوني سوف يؤدي إلى حصول تشوه في المستوى العام للحصيلة العلمية والثقافية لمن يعتمد عليها.. وبمقدار الجهد الذي يتم بذله للحصول على العلوم، يكون التشبع بها وتبقى محفورة في جدر الذاكرة.. وما أزال أتذكر مبهورًا ما قرأته من مقال للكاتب الموسوعي الدكتور خالص جلبي الذي قال فيه بأنه قد كرر قراءة بعض الكتب أكثر من عشرين مرة مثل (مقدمة ابن خلدون)!! وذكر أسماء كتب أخرى أيضًا.. وليت شعري لو أن بعضنا يقرأ هذه الكتب وكتبًا أخرى لمرة واحدة يكمله من غلافه إلى غلافه.. وذكر جلبي في مقال آخر بأنه لا يرى خيرًا من صرف المال في شراء كتاب أو في طلب علم بعد الواجبات الدينية.. إن التوجه نحو المكملات الثقافية كبديل لمنابع الثقافة الأصلية، لا يمكن أن يبني جيلًا مثقفًا على أسس سليمة ومتينة.. نعم يمكنه أن يسد فراغات في البناء الثقافي للجيل، لكنه لا يبني الثقافة.. وهذا لا يمكن أن نشبهه إلا بالحصول على المعلومات اللازمة لحل الكلمات المتقاطعة.. إنها دعوة للجميع، وللشباب بصورة أخص، بأن ينهلوا من أمهات الكتب في الجوانب الفكرية والثقافية والعلمية وهم في مقتبل أعمارهم، وذلك لأن هذه الكتب هي التي تبني أسس وقواعد معلوماتهم وأنماط تفكيرهم. وأن الهروب من هذه الكتب إلى ما سواها مما تسمى (ساندويتشات معلوماتية)، لا يمكن اعتبارها أكثر من (تصبيرة علمية) لا أكثر يمكن أن ينهل منها المرء في بعض فترات حياته وفي فترات الراحة من القراءة المركزة والمعمقة، وأن الزاد الحقيقي هو في أمهات الكتب التي بنت أجيالًا عربية حقيقية على مدى الحقب الماضية.


الكاتب: يوسف أحمد الحسن
0المفضلة
11 المشاهدات
0 تعليقات