التلذذ بمفردات الكتب
Jan 18, 2025 08:19 AM Jan 18, 2025 08:19 AM
قال أحدهم: دخلت إحدى المكتبات الكبرى، فلم أعرف كيف أخرج منها، فسألت فتاة تقلب كتابًا ومنشغلة به، فردت علي بقولها: انظر الصفحة الخامسة والعشرين، السطر الرابع عشر، الكلمة الأخيرة، في الكتاب الفلاني.. فبحثت بكل جدية، رغبة في حل هذا اللغز، فوجدت أنها كلمة «لا أعلم»!! ورغم أن هذه القصة القصيرة جدا (مجهولة الكاتب) قد لا تكون حقيقية، إلا أنها تطرب شريحة القراء المدمنين وتجعلهم يتمنون أن يكونوا كهذه الفتاة التي لا يضاهيها سوى تشارلز سيميك (وهو الشاعر والكاتب الأمريكي من أصل صربي) ومؤلف (ذبابة في الحساء) الذي يتلذذ بمفردات الكتب التي يقرؤها منذ صغره حتى غدا قراء كتبه يتلذذون بكتبه التي تفنن في كتابة مفرداتها وتنويعها على نحو آسر أحيانًا وجريء أحيانًا أخرى وفاحش ثالثة ومبكٍ رابعة. يقول عن علاقته بالقراءة: لا أُبالغ كثيرًا عندما أقول إنني لم أكن أذهب إلى الحمّام من غير كتاب في يدي. أقرأ حتى أسقط من النوم وأستأنف القراءة بمجرد أن أصحو. أقرأ في وظائفي المختلفة، مُخبئًا الكتاب بين الأوراق أو في درج المكتب نصف المفتوح. أقرأ كل شيء من أفلاطون إلى ميكي سبيللين. يومًا ما عندما أكون في نعشي المفتوح سأحمل معي كتابًا (كتاب التبت للموتى). كما يتلذذ هؤلاء القراء بذلك الذي كانت حبيبته تحادثه، فرد عليها: افتحي الكتاب الفلاني، وفي السطر الأخير من الصفحة الخمسين ستجدين الرد في الكلمة التاسعة منه. وكانت الكلمة «أحبك». أعرف قراءً يعيدون قراءة بعض الجمل -لفرط جمالها- مرات ومرات (أنا منهم بالمناسبة) ثم يضعون خطوطًا تحتها أو فوقها، وقد يكتبونها في ورقة خارجية ثم يعودون إليها ليتغنوا بها. تكون بعض مفردات الكتب جميلة ودقيقة الوصف لدرجة تجسد الواقع «سمعت صرير الباب حين فتحه، كما شعرت في منتصف الليل عندما كنت أقرأ الرواية التي تتحدث عن حرِّ الظهر أنني في عز الظهيرة!». هناك من القراء من يحب الشاعر الذي يقول: دخلتَ إلى فؤادي دونَ إذنٍ وحِدتَ بذاكَ عن نصِّ الكتابِ (عامر أبو عمر). كما يحبون قصيدة نزار قباني التي يقول فيها: «وأمضي سريعًا إلى مخدعي، أضم الكتاب إلى أضلعي، كأني حملت الوجود معي». وعندما يتحدثون فإن ألفاظ الكتب والأوراق والصفحات تحشر نفسها بين أحاديثهم كقول أحدهم «أحتاج لثلاث صفحات لإعداد كوب قهوة، وعشرين صفحة للوصول إلى بيت صديقي، وخمسين صفحة لكي أصل إلى المطار». أو كما اعتذرت إحداهن لعدم حضورها دعوة العشاء من إحدى صديقاتها بالقول: فقد توفيت قبل قليل إحدى شخصيات الرواية التي كنت أقرأها! هؤلاء عندما يقعون في الحب، فإنهم يحبون المرأة؛ التي تحب نفس كتابهم المفضل أو كاتبهم المفضل، كما فعلها المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي سأل عن أحد الكتب في مكتبة عامة فقيل له إن إحداهن استعارته، فسأل عن اسمها ثم تزوجها بعد ذلك. ولا أظرف من كل ذلك الحوار (مجهول المصدر وإلا لكنت كتبته هنا) الذي دار بين فتاة مع حبيبها بحضور والدها حينما قابلته في متجر الكتب، حيث قالت لوالدها: هذا زميلي في الجامعة، هل تسمح لي ان أسأله عن نوع الكتب التي طلبها الأستاذ منا؟ الأب: لا مانع. ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ: ﻫﻞ ﺟﺌﺖ ﻷﺧﺬ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ (انتبه لست وحدي) ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ ﺍلإنجليزي ﺷﻜﺴﺒير؟ ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﻻ، ﻭﻟﻜﻦ ﺃﺗﻴﺖ ﻷﺧﺬ ﻜﺘﺎب ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ (متى سأراك) ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ ﺍﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻱ ﺗﻮﻣﺎﺱ ﻫﺮﻧﺎﻧﻴﺮ. اﻟﻔﺘﺎﺓ: ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻋﻨﺪﻱ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻟﻜﻦ ﻳﻤﻜﻨﻚ ﺃﺧﺬ كتاب ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ (لقاء ﺗﺤﺖ ﺷﺠﺮﺓ ﺍﻟﻤﺎﻧﺠﻮ) ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﺑﺎﺗﺮﻳﺲ ﺃﻭﻟﻔﺮ. ﺍﻟﺸﺎﺏ: ﺣﺴﻨًﺎ، وسأعطيك كتاب (سأنتظرك مهما طال الانتظار) للكاتب البلجيكي ﺟﻮﻥ ﺑﺮﻧﺎﺭ. ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ: وأنا بدوري سأحضر لك كتاب (لن أتأخر حبيبي انتظرني) ﻟﻠﻜﺎﺗﺐ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻣﻴﺸﻞ ﺩﺍﻧﻴﺎﻝ. الأب: هذا كثير! ﻫﻞ سيطالع كل هذه الكتب؟ ﺍﻟﻔﺘﺎﺓ: نعم أبي إنه ذكي وحاذق وقارئ. الأب: حسنًا إذن، عليه أن يقرأ كتابًا بعنوان (لست غبيًا إلى هذا الحد) للكاتب الهولندي ﻓﺮﺍﻧﻚ ﻣﺮﺗﻴﻨﻴﺰ، وأنت عليك أن تطالعي كتاب (حسابي معك بالبيت) للكاتب أبوعبده حيدر. • وكنتُ أقرأُ... كي أنسَى مواجِعنا - وكنتَ تخرجُ لِي من أسطُر الكُتبِ! • أيجُوز لي أن أعتبر عينيك أحد الكتب، وأن أطيل النظر فيها بحجة القراءة!


الكاتب: يوسف أحمد الحسن
0المفضلة
8 المشاهدات
0 تعليقات