• متعة القراءة

    ربما يتصور بعض البعيدين عن عالم القراءة أنه عالم كئيب رتيب يسوده جو من الهدوء وربما السوداوية، كما قد يتخيل البعض أن وجوه المدمنين على القراءة والمنكبين على الكتب مكفهرة على الدوام ولا يمشون إلا مقطبي الجبين. لكن للعظماء من القراء رأي آخر.. فهم يرون أنهم أسعد أهل الأرض وفي حال من البهجة والأنس والنعيم لا يعلمها إلا من يعايشها.. يقول الفيلسوف الياباني فوشيدو كيندو: إن الجلوس في ضوء الشموع وأمامك كتاب مفتوح في حوار مع أشخاص من أجيال لم تعاصرهم هي المتعة التي ليس لها مثيل. ويقول الكاتب توماس دي كيمبيس: بحثتُ عن الطمأنينة في كُل مكان فلم أجدها إلا بالجلوس في رُكن منزوٍ وفي يدي كِتاب. أما الفيلسوف مونتيسكيو فيقول: لم يصبني حزن إلا وانتشلتني منه القراءة. ويرى أحد الفلاسفة أن الكتب: سعادة الحضارة بدونها يصمت التاريخ ويخرس الأدب ويتوقف العلم ويتجمد الفكر والتأمل. وقال الفيلسوف الألماني شوبنهاور: لا يعز علي سوى ترك مكتبتي الخاصة، فلولا الكتب في هذه الدنيا لوقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس. وأخيرا قيل: السعادة هي إهمال العالم بينما تقرأ كتابًا. هذه مجرد نماذج لما يمكن أن تمنحه القراءة من متعة منشؤها العوالم الجديدة التي تدخلها في نفوس القراء؛ فحقيقة القراءة أنها تساعد في توسيع المدارك وتفتح آفاقًا رحبة من العلم والمعرفة، وتمنح أشبه ما يكون بحياة أخرى حيث (حياة واحدة لا تكفي كما يقول العقاد عن القراءة). ويكمن سر المتعة فيها أنها تجعل المرء يتنقل من بلد لآخر ومن شارع لآخر متعرفًا على أدق التفاصيل وهو في مكانه، كما تجعله (عند قراءة الروايات مثلا) يدخل في دهاليز نفوس الناس سابرًا أغوارها ومتعرفًا على أعمق مشاعرها في حالات الفرح والحزن والقوة والضعف مولدة حالة لدى القارئ تسمى النضج العاطفي. هي نوع من التطفل المحمود على عقول الآخرين ومشاركتهم تجاربهم ما يوفر على القراء عناء المرور بنفس المشكلات ثم التوصل إلى نفس النتائج والأفكار والمواقف. «أعتقد أن الكتاب هو أحد أسباب سعادة الإنسان» جملة قالها لويس بورخيس الكاتب الأرجنتيني المغرم بالقراءة إلى حد مفرط للغاية حتى إن رغبته فيها استمرت عندما فقد بصره في منتصف عمره، حيث طلب من أمه أن تقرأ له فقرأت له حتى توفيت، بعدها استأجر شخصًا آخر لكي يقرأ له واستمر في القراءة حتى قيل إنه قرأ كل ما وقعت يداه عليه، وحتى اشتهر عنه قوله إنه لا يتخيل الفردوس إلا مكتبة كبيرة. وتصل النشوة ببعض القراء حين المرور بفكرة جديدة إلى الصراخ أو الرقص، لا يرغبون في تفويت ساعة واحدة من حياتهم دون قراءة.. فالحياة عندهم هي قراءة وقراءة فقط تتخللها بعض الأمور الأخرى كساعات العمل والعلاقات الأسرية، مستغربين من ابتعاد الناس عن هذا العالم الجميل الرائع الذي يسمى قراءة. هل هو جهل منهم بذلك العالم المليء بالمتعة، أم تجاهل، ولماذا؟

    الكاتب: يوسف أحمد الحسن

    0المفضلة

    12 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #القراءة #لياقة_القراءة 

التعليقات (0)

المزيد من يوسف أحمد الحسن

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • متعة القراءة

    المزيد من يوسف أحمد الحسن

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة