نهم القراءة
Jan 18, 2025 01:37 PM Jan 18, 2025 01:37 PM
لأن القراءة كالتطعيم الموسمي، كان علينا أخذ جرعة منها في كل موسم حتى نبعد عنا فيروس الجهل. لكن المشكلة أن هذا الفيروس مقيم لدينا، يتلون ويتشكل باستمرار ويصاب به الجميع، لكن بدرجات وأشكال مختلفة. ولأن الجهل أصبح وباءً متجددًا ومتحورًا؛ كما يفعل بنا فيروس كورونا، فإنه يتطلب من الجميع الحصول على التطعيم وربما يكرره عدة مرات. وأسوأ الأوبئة هو أن يتخيل أحدنا أنه لم يصب بها. وحتى ننجح في مسعانا نحو تفعيل القراءة للجميع فقد كان لزامًا علينا كأمة أن نبتلع الكتب ابتلاعًا، وأن نهضم ما بها هضمًا لا نبقي منها ولا نذر. ليس مطلوبًا من الجميع أن يتفكر ويتدبر قبل اختيار وقراءة أي كتاب، فالمهم أن يستهويه الكتاب ويحبه ويأخذه من صفحة لأخرى، كما الجائع الذي يقبل على الطعام دون كثير تفكير. وقد يحتاج أكثرنا إلى مدة طويلة قبل أن يتحتم عليه التفكير في نوعية ما يقرأ وما لا يقرأ، وهي المرحلة التي نشعر بها عندما نصل إلى حد الشبع الوقتي. إذن لنقبل على قراءة أي كتاب تقع عليه أيدينا، ونحاول إكماله، فلا بد أن تكون به فائدة. حتى لو كانت الاستفادة من كتاب ما محدودة فلا بأس من إكماله «ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئًا جديدًا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته أني تعلمت شيئًا جديدًا هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب التافهون وفيمَ يفكرون» (العقاد). ولنحاول قراءة ما يستهوينا نحن من كُتب، لا ما ينصحنا به الآخرون؛ الذين قد يرون كتابًا ما مناسبًا لنا من وجهة نظرهم هم ولا يكون بالضرورة كذلك لنا. وحتى بعض الكتب التي تحتل المراتب العليا على رفوف المكتبات، وتحظى بأعلى نسبة من المبيعات، قد لا تعجب البعض. فليكن قرارنا نابعًا من داخل أنفسنا خاصة أولئك الذين هم في بدايات مشوار القراءة. وبعد مدة من القراءة المتواصلة سوف يشعر القارئ بأنه أصبح ملتصقًا بها، وأن تغييرًا ما قد حصل في حياته، ذلك أن القراءة تفتح أمام مدمنها أبوابًا جديدة وجميلة من المعرفة وتغلق أخرى من الجهل والظلام. حياة أخرى تضاف إلى حياته -كما يقول أحد المفكرين- يستحيل أن يصل إليها من دون القراءة، وقد تبدأ حتى نظرته للحياة ولمن حوله في التغير متساميًا إلى كل ما هو معنوي، ومبتعدًا عن سفاسف الأمور ومادياتها. سَهَري لتنقيحِ العُلومِ ألذُّ لي مِن وَصلِ غانيةٍ وطِيبِ عِناقِ وتَمايُلي طَرَبًا لحلِّ عَويصَةٍ في الدَّرسِ أشهى مِن مُدامَةِ ساقِ وصَريرُ أقلامي على صَفَحاتِها أحلى مِنَ الدَّوكاءِ والعُشَّاقِ وألَذُّ مِن نَقرِ الفَتاةِ لدُفِّها نَقْري لأُلقي الرَّملَ عن أوراقي أأَبيتُ سَهرانَ الدُّجا وتَبيتُه كسَلًا وتَبغي بعدَ ذاكَ لَحاقي؟! «ستغرق في القراءة كأنما أصابتك غيبوبة لا تفيق منها إلا مع آخر صفحة من الكتاب» (حكمة).


الكاتب: يوسف أحمد الحسن
0المفضلة
5 المشاهدات
0 تعليقات